- النمو الاقتصادي الراسخ يبدأ من الداخل.. وبناء شركات جاهزة مؤسسيًا ضمان الاستقرار
- الاقتصاد لا يقوى بكثرة الداخلين إلى السوق، بل بقدرة من فيه على الصعود عبر المراحل المختلفة
- حماية الصناعة الوطنية تتحقق عندما تتساوى المعايير بين المحلي والمستورد ويُكافأ الالتزام
- المنتج منخفض الجودة ليس خيارًا اقتصاديًا أوفر بل كلفة مؤجلة يدفعها السوق والمستهلك معًا
- العدالة التنافسية تبدأ من المواصفات لا من القيود الجمركية
- توطين الصناعة لا يكتمل ما لم تُعمّق سلاسل الإمداد داخل خط الإنتاج نفسه
- الأزمات كشفت أن هشاشة السلسلة أخطر من ضعف المنتج
- الاستثمار في اللوجستيات هو استثمار في القدرة على القرار لا في السرعة فقط
- كثير من المصانع الوطنية قادرة على المنافسة لكنها تتعثر عند أول حاجز إجرائي خارج الحدود
- الاستدامة تُبنى على نظام قادر على الصمود لا على نجاح منتج واحد
- الحوكمة هي الجسر الذي ينقل الشركة العائلية من الاستقرار المحلي إلى التوسع المؤسسي
- فصل الملكية عن الإدارة لا يحد من دور العائلة، بل يحمي استثمارها على المدى الطويل
- وعي المستهلك بالجودة يسحب الجدوى الاقتصادية من الغش قبل تدخل الرقابة
- السعر الأقل عند الشراء قد يكون الأعلى كلفة عند الاستخدام
- التوسع الإقليمي يحتاج اتفاقات تنفيذية تفك التعقيد قبل أن تفتح الأسواق
- القرب من الناس وتفاصيل التشغيل اليومية يحفظ التوازن بين القيم والنتائج ويضمن استدامة الأعمال
- السوق ينضبط عندما يصبح الطلب واعيًا لا عندما تكثر التحذيرات
- مستقبل الاقتصاد يتحدد بقدرتنا على بناء شركات متوسطة قوية تشكّل عمود النمو الحقيقي
- القيادة الفاعلة في القضايا الحساسة تعتمد على الحوار الموضوعي وتحويل التوتر إلى طاقة قرار
- مساءلة الواقع الاقتصادي واختباره هي الدور الحقيقي للكلمة للتأثير في صناعة القرار
- رفع إنتاجية المنشآت الصغيرة والمتوسطة هو الطريق الأسرع لتعظيم الأثر الاقتصادي
- الكتابة الاقتصادية تفقد قيمتها عندما تشرح الواقع دون أن تمتحنه بالقياس
في قراءة اقتصادية تستند إلى تجربة عملية، يرى سعيد محمد بن زقر إن لحظات التحول الاقتصادي تُختبر في التفاصيل التي تصنع الفارق بين نمو قابل للاستمرار وتوسع هش، حيث لا يبدأ التحدي عند الانطلاق، بل عند القدرة على بناء كيانات متماسكة، واتخاذ القرار في توقيته، وتهيئة الهياكل التي تسمح بالنمو عبر المراحل المختلفة. فالجاهزية المؤسسية، كما يراها، تمثل الأساس الذي يُبنى عليه أي توسع مستقر.
وفي حديث خاص لـ مجلة التجارة، يقدّم بن زقر قراءة معمّقة لمسار الاقتصاد السعودي في مرحلة تتقاطع فيها فرص النمو مع متطلبات الاستدامة، متوقفًا عند قضايا تتصل بحماية الصناعة الوطنية، وعدالة المنافسة، ودور الجودة في تعزيز كفاءة السوق، إضافة إلى ملفات سلاسل الإمداد، واللوجستيات، وتوطين المعرفة بوصفها عناصر حاسمة في بناء مرونة اقتصادية حقيقية.
كما يتناول الحوار موضوعات الحوكمة في الشركات العائلية، وتمكين الكوادر الوطنية، ومسؤولية المستهلك في دعم السوق المنظم، إلى جانب رؤيته لمستقبل القطاعات الأكثر قدرة على خلق قيمة مضافة خلال المرحلة المقبلة، انطلاقًا من تجربة عملية وقراءة اقتصادية هادئة للمشهد العام.
وفيما يلي نص الحوار كاملًا.
من التوسع العددي إلى «الجاهزية» المؤسسية
من موقعكم كرجل صناعة واستثمار، ما جوهر التحول الاقتصادي الذي نعيشه اليوم؟
في تقديري، جوهر التحول الاقتصادي لا يتمثل في تسهيل التأسيس بقدر ما يتمثل في تصحيح مسار التوسع. لقد نجحنا إلى حد كبير في فتح أبواب الدخول إلى السوق، وارتفع عدد المنشآت، لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد مرحلة التأسيس:
كم منشأة تستطيع أن تنتقل فعليًا من متناهية الصغر إلى صغيرة، ثم إلى متوسطة؟ وكم منها ينجح في التحول من نشاط محلي محدود إلى كيان وطني، ثم إقليمي ودولي؟
قوة الاقتصاد لا تُقاس بعدد السجلات التجارية، بل بعدد الشركات التي تنجح في هذا المسار التصاعدي، وتتحول إلى كيانات قادرة على خلق قيمة مستدامة، والمنافسة خارج نطاقها الجغرافي الأولي.
هذا المسار بطبيعته لا يكتمل دون توسّع، والتوسع يتطلب تمويلًا. غير أن التمويل لا يُمنح على أساس النية أو الحجم فقط، بل على أساس الجاهزية. فالمنشأة الجاذبة للتمويل المؤسسي هي تلك التي تمتلك هيكلًا واضحًا، وقابلية للتقييم، وقدرة على الاستمرار والنمو.
وهنا تبرز فرصة مهمة لمنظومة الدعم — من وزارة الموارد البشرية، ومنشآت، والغرف التجارية — ليس في تقديم التمويل مباشرة، بل في تهيئة الجاهزية التي تجعل الوصول إلى التمويل ممكنًا.
والجاهزية المقصودة لا تعني تعقيدًا إداريًا أو تحميل المنشآت أعباء مبكرة، بل تعني وجود هيكل أساسي مرن يمكن البناء عليه مع التوسع؛ هيكل يسمح بإضافة الأدوار والمسؤوليات عند الحاجة، ويضع بدايات الحوكمة كإطار منظم للنمو، دون فرض نماذج جامدة لا تتناسب مع مراحل التطور المختلفة.
في ظل الانفتاح التجاري واتفاقيات التجارة العالمية، كيف يمكن إعادة تعريف مفهوم حماية الصناعة الوطنية؟
إعادة تعريف حماية الصناعة الوطنية تبدأ بالاعتراف بحقيقة أكّدتها الدراسات والتجارب العملية: المنتج منخفض الجودة ليس خيارًا اقتصاديًا أقل كلفة، بل عبئًا يتقاسمه الاقتصاد والمستهلك على حد سواء. فالسعر المنخفض عند الشراء غالبًا ما يُخفي تكاليف لاحقة أعلى، تتمثل في تكرار الاستبدال، وارتفاع الصيانة، وقِصر عمر الاستخدام، ما يحوّل ما يبدو توفيرًا مؤقتًا إلى استنزاف تراكمي.
الإشكال الحقيقي ليس في الانفتاح التجاري ذاته، بل في ممارسات شريحة من الأفراد والشركات التي تُقدّم نفسها بوصفها مستثمرة، بينما تقوم فعليًا باستغلال ثغرات تنظيمية قائمة. هذه الممارسات تشمل إدخال منتجات — أحيانًا بالعلامة نفسها أو بعلامات بديلة — تنافس منتجات وطنية ملتزمة، ولكن بمواصفات أدنى من تلك المفروضة على الصناعة المحلية.
هذا النوع من السلوك لا يخدم الاستثمار، ولا يحقق مصلحة الاقتصاد، ولا يوفر حماية حقيقية للمستهلك. بل يقوم على افتراض أن المستهلك سيكسب من السعر الأقل، في حين أنه يدفع أقل اليوم ليخسر أكثر على المدى المتوسط والطويل.
من هنا، فإن حماية الصناعة الوطنية لا تتحقق عبر القيود أو الرسوم، بل من خلال توحيد المواصفات والمقاييس والمعايير الفنية على المنتج المحلي والمستورد دون استثناء. عندها فقط يمكن التمييز بوضوح بين مستثمر يضيف قيمة حقيقية للاقتصاد الوطني، وبين من يستغل السوق والمستهلك تحت غطاء الاستثمار.
كيف تقيمون جاهزية القطاع الصناعي السعودي، خصوصًا في ما يتعلق بسلاسل الإمداد؟
الجاهزية تحسنت بشكل واضح في المنتج النهائي، وهذا يُحسب للسياسات الصناعية خلال السنوات الماضية. لكن التحدي الحقيقي لا يزال في سلاسل الإمداد والمدخلات الوسيطة. الأزمات العالمية الأخيرة كشفت أن الخلل ليس فيما نُنتج محليًا بقدر ما هو في مدى اعتمادنا على الخارج داخل خط الإنتاج نفسه.
من منظور صناعي عملي، أي تقليل — ولو تدريجي — في هذا الاعتماد ينعكس مباشرة على استقرار التكلفة، ومرونة التشغيل، وقدرة المصنع على الوفاء بالتزاماته في أوقات الضغط. لذلك، توطين الصناعة لا يبدأ من السلعة النهائية فقط، بل من تعميق سلاسل الإمداد المحلية وربطها بالمصنع الوطني
التوسع الإقليمي… لماذا تتعثر المصانع
كيف يمكن للصناعة الوطنية الانتقال من تلبية الطلب المحلي إلى المنافسة الإقليمية والعالمية بثقة واستدامة؟
الانتقال إلى المنافسة الإقليمية والدولية لا يبدأ من التصدير، بل من الجاهزية الداخلية، لكن لا يكتمل دون بيئة تجارية إقليمية قابلة للاستخدام الفعلي.
نحن نملك إطارًا مهمًا هو اتفاقية الدول العربية الكبرى، لكن التحدي أن هذا الإطار، في صورته العامة، لا يكفي وحده لتمكين التوسع الصناعي.
ما نحتاجه عمليًا هو اتفاقات ثانوية نوعية داخل هذا الإطار، تُعالج التفاصيل التي تُعيق التوسع الحقيقي: توحيد إجراءات المطابقة، الاعتراف المتبادل بالمواصفات، تسهيل النفاذ إلى سلاسل التوزيع، وتخفيف العوائق غير الجمركية التي تواجه المصنع عند أول محاولة خروج.
كثير من المصانع الوطنية قادرة على المنافسة من حيث المنتج، لكنها تتعثر عند البوابة الأولى بسبب اختلاف الإجراءات، لا بسبب ضعف الجودة. هنا تتحول السوق العربية من فرصة طبيعية للنمو إلى مسار معقّد ومكلف.
لذلك، أرى أن التوسع الإقليمي يجب أن يُبنى على جاهزية داخلية قوية من جهة، وعلى اتفاقات تنفيذية ثانوية من جهة أخرى، تجعل السوق العربية امتدادًا طبيعيًا للنمو الصناعي، لا مغامرة تنظيمية تُرهق المصنع قبل أن يصل إلى المستهلك.
توطين التقنية أم استيرادها بصيغة محلية؟
هل بات الاقتصاد السعودي مستعدًا للانتقال من استيراد التقنية إلى توطينها وتطويرها؟
الاستعداد الحقيقي لتوطين التقنية لا يُقاس بعدد المصانع أو حجم الاستثمارات، بل بسرعة انتقال المعرفة. التحدي القائم اليوم أن زمن نقل المعرفة في كثير من القطاعات لا يزال أطول من دورة المنافسة نفسها.
نحن نمتلك القدرة على استيراد التقنيات وتشغيلها وتوسيع نطاقها، لكن الاختبار الحاسم هو: هل نستطيع تطويرها وتحسينها وإعادة إنتاجها دون الاعتماد المستمر على المورد الخارجي؟ في معظم القطاعات، ما زال الجواب الواقعي: ليس بعد.
الفرق الجوهري بين التصنيع وتوطين التقنية هو الفرق بين امتلاك خط إنتاج وامتلاك منحنى التعلم. والاقتصاد الذي لا يضغط هذا المنحنى ويقصر دوراته سيظل مستوردًا للتقنية، حتى لو جرى تصنيعها محليًا.
المعادلة واضحة: بقاء المعرفة التشغيلية خارج المصنع يعني أن التوطين شكلي.
بقاء الاختبارات والاعتمادات خارج السوق يجعل الاستقلال الصناعي هشًا.
وطول زمن نقل المعرفة إلى ما بعد جيل صناعي واحد يحوّل التعثر من احتمال إلى نتيجة مؤجلة.

اقتصاد ما بعد عشر سنوات
كيف ترون شكل الاقتصاد السعودي بعد عشر سنوات إذا استمرت وتيرة الإصلاح الحالية بنفس الزخم؟
أعتقد أن شكل الاقتصاد بعد عشر سنوات سيتحدد ليس بسرعة الإصلاح، بل بنقطة واحدة حاسمة: هل نجحنا في تحويل عدد معتبر من الشركات الوطنية إلى شركات جاذبة للتمويل والاستثمار المؤسسي أم لا.
إذا طُبِّقت المقترحات التي تحدثنا عنها — من توطين الوساطة الاقتصادية، وربط أدوات سوق العمل والدعم المؤسسي بمعايير إنتاجية واضحة، وتحويل دور وزارة الموارد البشرية، ومنشآت، والغرف التجارية إلى رفع جاهزية الشركات الوطنية بدل الاكتفاء بتنظيمها — فإن الأثر الاقتصادي يصبح قابلًا للقياس لا للتخمين.
التمارين الاقتصادية المبنية على تجارب دول مرت بمسار مشابه تشير إلى أن رفع مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة من مستواها الحالي إلى مستهدفات عام 2030 يمكن أن يحقق أثرًا تراكميًا يتراوح بين نحو 0.8 و1.6 تريليون ريال في الناتج غير النفطي حتى عام 2030، مع خلق مئات الآلاف من الوظائف الأعلى إنتاجية.
هذا الأثر لا يأتي من زيادة عدد المنشآت، بل من تحسين نوعيتها: شركات أكثر تنظيمًا، أكثر إنتاجية، وأكثر قدرة على جذب مستثمر مؤسسي طويل الأجل. عندها فقط ننتقل من اقتصاد يعتمد على مبادرات متفرقة، إلى اقتصاد تقوده شركات متوسطة قوية تشكّل العمود الفقري للنمو.
بغير ذلك، سنبقى نحقق توسعًا عدديًا، لكنه أقل أثرًا، وأكثر عرضة للتقلبات. أما مع هذا التحول، فنحن نتحدث عن اقتصاد أكثر توازنًا، وأقل هشاشة، وأكثر قدرة على الاستمرار عبر الدورات الاقتصادية.
ما القطاعات الصناعية والاقتصادية التي تتوقعون أن تحمل الثقل الأكبر في المرحلة المقبلة؟
القطاع الصناعي التحويلي سيبقى في صدارة المشهد، يليه قطاع الخدمات اللوجستية، ثم الصناعات الغذائية المتقدمة.
هذه القطاعات تتميز بأنها مرتبطة بسلاسل إمداد طويلة، وتخلق وظائف أعلى قيمة، وتملك قدرة أكبر على التوسع خارج السوق المحلي.
الأهم من اختيار القطاع هو طريقة الدخول إليه: بناء قدرة تشغيلية، وهيكل قابل للنمو، وربط التوسع بالإنتاجية لا بالمضاربة. بهذه الطريقة فقط يتحول القطاع من فرصة مؤقتة إلى ركيزة اقتصادية مستدامة.
الغش والتقليد: حين يكافئ السوق من يلتف
لماذا ما زالت ظاهرة تقليد العلامات التجارية والغش قائمة رغم الأنظمة؟
لأن المشكلة ليست في غياب الأنظمة، بل في الثغرات الإجرائية التي تسمح بالتحايل عليها.
طالما يُسمح بإدراج منتجات في السوق دون التحقق الكافي من صحة المرفقات ودقتها، وطالما تُفسَّر مسألة «من يُسوّق للمنتج» بأوسع المعاني الممكنة، فإن السوق ستظل مفتوحة لمن يريد خلط الحابل بالنابل وإدخال منتج مزوّر أو منخفض الجودة تحت غطاء نظامي شكلي.
هذه الثغرات تخلق بيئة مغرية لسلوكيات ضارة؛ حيث يصبح الالتفاف على المتطلبات أسهل وأقل كلفة من الالتزام بها. عندها لا يعود الغش استثناءً، بل يتحول إلى نموذج عمل لدى بعض الأطراف، ويُكافَأ من يزوّر أو يلتف، ويُعاقَب من يلتزم.
المشكلة، إذن، ليست فقط في ما يُكتب في النظام، بل في كيف يُفسَّر ويُطبَّق. ما لم يُغلق باب التحقق المسبق بدقة، ويُضبط تعريف الجهة المسؤولة عن التسويق والمسؤولية عنها، ستبقى هذه النافذة مفتوحة لكل من يريد إدخال منتج لا يطابق الحقيقة، ويضر بالسوق والمستهلك معًا.
كيف يمكن الارتقاء بالمسؤولية المشتركة بين الجهات الرقابية والقطاع الخاص والمستهلك في مواجهة الغش والتقليد؟
المسؤولية المشتركة لا تكتمل ما لم تُقَد ملف التوعية بوصفه هدفًا وطنيًا منظمًا، لا جهدًا متفرقًا.
هنا يبرز دور المشرّع والغرف التجارية في قيادة هذا الملف، ليس عبر حملات موسمية، بل عبر بناء وعي مستدام يربط بين سلوك الشراء والأثر الاقتصادي.
من المهم أن نرتقي بخطاب التوعية من مجرد التحذير من الغش، إلى توضيح المعادلة كاملة:
المستهلك الذي يصر على الجودة، ويرفض المغشوش والرديء، لا يحمي نفسه فقط، بل يدعم وظيفة مواطن، ويسهم في توسع شركة وطنية، ويقوّي اقتصادًا محليًا.
عندما يدرك المستهلك أن اختياره اليومي ليس قرارًا فرديًا معزولًا، بل جزء من سلسلة اقتصادية تبدأ من المصنع وتنتهي بالوظيفة والنمو، يصبح السوق نفسه شريكًا في التصحيح. عندها تنخفض جدوى الغش اقتصاديًا، حتى قبل تدخل الرقابة، لأن الطلب الواعي يسحب البساط من المنتج الرديء تلقائيًا.
كيف يصبح المستهلك خط الدفاع الأول وهو يظن أنه يوفر بشراء الأرخص؟
حين يفهم المستهلك أن السعر المنخفض لا يعني بالضرورة تكلفة أقل.
المنتج منخفض الجودة قد يبدو أوفر عند الشراء، لكنه غالبًا ما يستهلك أكثر، ويتعطل أسرع، ويحتاج إلى استبدال متكرر. ما يظنه المستهلك توفيرًا فوريًا يتحول مع الوقت إلى استنزاف صامت.
عندما ينتقل هذا الفهم من الوعي الفردي إلى السلوك الجماعي، يتغير السوق بالكامل دون قرار تنظيمي واحد.
ما الخطوات الإضافية المطلوبة لتعزيز المنافسة العادلة وحماية المنتج الوطني؟
الخطوة الأهم هي توحيد تطبيق المواصفات والمقاييس على المحلي والمستورد دون استثناء.
أي تفاوت في المعايير يخلق ميزة غير عادلة، ويشوّه المنافسة، ويُخرج المستثمر الملتزم من السوق تدريجيًا.
عند توحيد المعايير، لا نحتاج إلى حماية شكلية؛ السوق نفسه سيكافئ المنتج الأفضل، ويعاقب المنتج الأضعف، ويستفيد المستهلك في النهاية.
ما الذي يصنع الاستدامة لعقود؟ وكيف يتحول التوزيع إلى توطين معرفة؟
الاستدامة لا تُبنى على منتج ناجح، بل على نظام قادر على الصمود. معظم الشركات لا تفشل لأنها ضعيفة، بل لأنها غير مهيأة للصدمات.
التحول من التوزيع إلى توطين المعرفة يبدأ عندما تُعامل الجودة كتكلفة محسوبة لا كخطاب، وعندما يُنظر إلى التدريب بوصفه أصلًا استثماريًا لا مصروفًا تشغيليًا.
- الشركات التي تستمر طويلًا تشترك في ثلاث ممارسات مبكرة:
- الفصل بين القرار التجاري اليومي والاستثمار طويل الأجل في الكفاءة.
- الالتزام بمواصفات ثابتة لا تُساوم، لأن التنازل الصغير اليوم يتحول إلى فجوة غدًا.
- تدريب الكوادر على الفهم والتحسين، لا على التشغيل فقط.
ويبقى السؤال الفاصل:
كم شركة يمكنها الاستمرار إذا غاب شريكها الأجنبي فجأة؟
من يتردد في الإجابة لم يوطّن المعرفة، بل أجّل المواجهة.
كيف تُترجم الالتزامات البيئية إلى ممارسة تشغيلية داخل المصنع؟
البيئة في الصناعة ليست موقفًا أخلاقيًا، بل معادلة تشغيلية. والمصنع الذي يتعامل معها كشعار سيدفع ثمنها كتكلفة إضافية.
الالتزام البيئي الحقيقي يبدأ عندما تُقاس الطاقة والمياه والنفايات لكل طن منتج، لا لكل حملة دعائية. وأي منشأة لا تمتلك هذه المؤشرات اليوم ستفقد قدرتها التنافسية غدًا، حتى لو التزمت شكليًا. التحول البيئي الفعلي يتم عبر خطوات تدريجية:
- خفض الاستهلاك قبل البحث عن مصادر بديلة.
- تقليل الهدر قبل الحديث عن التعويض.
- قياس الخسائر قبل إبراز الإنجازات.
الأهم أن المعايير البيئية لم تعد خيارًا، بل شرط دخول للأسواق. ومن لا يدمجها اليوم في صميم تشغيله، سيفرضها عليه السوق لاحقًا بتكلفة أعلى.
كيف عزز الاستثمار اللوجستي المبكر مرونة الشركات أثناء الأزمات؟
الأزمات لا تكشف ضعف المنتج بقدر ما تكشف هشاشة السلسلة. كثير من الشركات تعثرت عالميًا لا لأنها فقدت الطلب، بل لأنها فقدت القدرة على الوصول.
الاستثمار في اللوجستيات لا يشتري سرعة فقط، بل يمنح مرونة القرار: تغيير المورد، أو المنفذ، أو التوقيت عند الحاجة. والخطأ الشائع هو النظر إلى اللوجستيات كتكلفة قابلة للتأجيل، بينما هي في الواقع تأمين للبقاء.
الشركات الأكثر مرونة تتشارك سمات واضحة:
- تعدد المنافذ بدل الاعتماد على نقطة واحدة.
- مخزون أمان محسوب للمدخلات الحرجة.
- عقود نقل مرنة تتحمل الصدمات.
- رؤية رقمية دقيقة لحركة البضائع.
- توزيع مخاطر الموردين بدل تركّزها.
والخلاصة واضحة: في الاقتصاد الحديث، اللوجستيات لم تعد ميزة تنافسية، بل شرط وجود.
الحوكمة… من خيار إداري إلى شرط تمويل
من واقع تجربتكم، ما الركائز الذهبية التي تضمن انتقال الشركات العائلية إلى الأجيال اللاحقة دون الإضرار باستقرار الكيان؟
أولى الركائز هي وجود وثيقة مكتوبة واضحة تحكم العلاقة بين العائلة والكيان التجاري. الانتقال السلس بين الأجيال لا يُدار بالعرف ولا بالنية الحسنة وحدها، بل بوثيقة تُعرّف الملكية، وتُحدد الصلاحيات، وتفصل بين ما هو عائلي وما هو تشغيلي.
هذه الوثيقة يجب أن تُجيب بوضوح عن أسئلة حساسة لا يجوز تركها للاجتهاد، مثل:
كيف يُوظَّف أفراد العائلة؟ وفق أي معايير؟ وبأي مسار مهني؟
فالتوظيف العائلي، إن لم يُضبط بمعايير واضحة، يتحول من رافعة استقرار إلى مصدر توتر وتشويه للقرار.
الركيزة الثانية هي حوكمة فعلية قابلة للتطبيق، تضع آليات واضحة للمساءلة، واتخاذ القرار، وفضّ النزاعات. النزاعات في الشركات العائلية لا تُدار بالتصعيد، بل بآليات متفق عليها مسبقًا، سواء عبر لجان داخلية أو تحكيم أو مسارات فصل واضحة بين الملكية والإدارة.
أما الركيزة الثالثة، فهي وجود آلية مخارجة عادلة ومعلنة. ليس كل شريك أو وريث بالضرورة راغبًا أو مناسبًا للاستمرار، وغياب مسار خروج منظم يجعل الخلافات تتراكم داخل الكيان بدل أن تُحل خارجه. المخارجة الواضحة تحمي من يخرج، وتحمي أكثر من يبقى.
الأهم أن هذه الوثيقة والحوكمة لا تُصمَّم لمرحلة واحدة، بل تُبنى كـ أساس يمكن إضافة طبقات جديدة عليه مع توسع النشاط ودخول أجيال لاحقة. من دون هذا الأساس، يتحول النمو إلى عبء، وتتحول الخلافات المحتملة إلى مخاطر حقيقية على استمرارية الشركة.
هل ما زالت حوكمة الشركات العائلية خيارًا أم أصبحت ضرورة حتمية؟ وما نصيحتكم للبيوت التجارية في فصل الملكية عن الإدارة التنفيذية؟
لم تعد الحوكمة خيارًا، بل أصبحت ضرورة اقتصادية وتنظيمية لأي شركة عائلية تفكّر في الاستمرار والتوسع.
اليوم، أي منشأة تسعى إلى تمويل مؤسسي، أو شراكة استراتيجية، أو توسع إقليمي، ستُقيَّم أولًا من زاوية حوكمتها قبل النظر إلى تاريخها أو حجمها.
الحوكمة تضيف مباشرة إلى جاذبية المنشأة للتمويل المؤسسي؛ لأنها تمنح المستثمر وضوحًا في القرار، وقابلية للمساءلة، وإطارًا يقلل المخاطر المرتبطة بالأشخاص ويحوّلها إلى مخاطر يمكن إدارتها. المستثمر المؤسسي لا يبحث عن شركة ناجحة فقط، بل عن شركة يمكن الوثوق باستمراريتها.
فصل الملكية عن الإدارة لا يعني إقصاء العائلة، بل يعني حماية الاستثمار العائلي وتعظيم قيمته. العائلة تبقى مالكة وممثَّلة في القرار الاستراتيجي، بينما تُدار العمليات اليومية بعقلية مهنية قابلة للقياس والمحاسبة. هذا الفصل هو ما يجعل المنشأة قابلة للتقييم، وقابلة للتمويل، وقابلة للتوسع.
نصيحتي للبيوت التجارية هي أن تنظر إلى الحوكمة كـ رافعة قيمة، لا كعبء إداري؛ فهي الجسر الذي ينقل الشركة من نجاح عائلي محلي إلى كيان مؤسسي جاذب لرأس المال طويل الأجل.
مع تنوّع الفرص التي خلقتها رؤية المملكة 2030، ما القطاعات التي ترونها الأنسب للمجموعات التجارية العائلية في العقد القادم؟
القطاعات الأنسب ليست تلك التي تشهد ضجيجًا مؤقتًا، بل التي تملك قيمة مضافة واضحة وقدرة على الاستدامة.
القطاع الصناعي التحويلي، والخدمات اللوجستية، والصناعات الغذائية المتقدمة، تظل قطاعات مناسبة للعائلات التجارية لأنها ترتبط بسلاسل إمداد طويلة، وتخلق وظائف نوعية، وتسمح بالتوسع خارج السوق المحلي.
لكن الأهم من اختيار القطاع هو طريقة الدخول إليه. العائلة التي تدخل بقدرة تشغيلية، وهيكل قابل للنمو، ووثيقة وحوكمة واضحة، ستكون أكثر قدرة على الاستفادة من الفرص وأقل عرضة للمخاطر. بهذه المعادلة يتحول الاستثمار من فرصة آنية إلى مسار طويل الأجل يراكم القيمة عبر الأجيال.
لطالما ركّزتم في كتاباتكم على قيمة الإنسان. كيف يمكن للقطاع الخاص الانتقال من منطق التوظيف لتحقيق النسب إلى تمكين حقيقي للكوادر الوطنية؟
التمكين الحقيقي لا يمكن أن يكون مسؤولية طرف واحد. هو مسار مشترك بين المشرّع والتاجر، لكلٍ منهما دور مختلف لكنه متكامل.
المشرّع يضع الإطار الذي يربط التوظيف بالإنتاجية والاستدامة، لا بالعدد فقط، ويمنح المرونة التي تسمح ببناء مسارات مهنية حقيقية داخل المنشأة. أما التاجر، فدوره أن يستثمر في المهارة، ويُعرّف الأدوار بوضوح، ويربط الأداء بالمسؤولية والنتيجة.
عندما يلتقي هذان الدوران، يتحول التوظيف من عبء امتثال إلى أداة نمو. التاجر لا يُعاقَب لأنه استثمر في موظف منتج، والمشرّع لا يكتفي بمؤشر عددي لا يعكس القيمة. بهذه المعادلة فقط ننتقل من توظيف يحقق النسبة، إلى تمكين يرفع الإنتاجية ويُحسّن تنافسية المنشأة.
والأثر الأهم أن هذا التمكين يجعل الشركة أكثر استقرارًا، وأكثر قابلية للتوسع، وأكثر جاذبية للتمويل المؤسسي؛ لأن المستثمر ينظر إلى جودة الفريق بقدر ما ينظر إلى جودة الأرقام.
في عالم سريع التغيّر، كيف يمكن للشركات التقليدية أن تزرع ثقافة الابتكار داخل منظومتها دون أن تربك عملياتها؟
الابتكار قبل أن يكون أداة أو منهجًا، هو سلوك قيادي.لا يمكن أن تزدهر أي ثقافة ابتكار ما لم يعمل القائد على تطوير بيئة يشعر فيها كل فرد من فريق العمل أن له صوتًا، وأن رأيه مسموع ومحترم، مهما بدا بسيطًا أو ضعيفًا في بدايته.
الأفكار الكبيرة لا تولد كاملة، بل هي غالبًا نتاج تجارب صغيرة، وسلاسل من المحاولات، والتعلم من الخطأ، والتعاون الإيجابي والموضوعي. عندما يخشى الفريق من الخطأ أو من السخرية من الفكرة، يتوقف الابتكار قبل أن يبدأ.
دور القائد هنا ليس فرض الأفكار، بل إدارة المساحة: مساحة تسمح بالمحاولة، وتحتضن النقاش، وتحوّل الخطأ إلى تعلّم، والرأي البسيط إلى لبنة في فكرة أكبر. بهذه الطريقة يصبح الابتكار عملية تراكمية لا تُربك التشغيل، بل تحسّنه تدريجيًا.
وعندما تُدار ثقافة الابتكار بهذا الشكل، تتحول من مغامرة غير محسوبة إلى قدرة مؤسسية يراها المستثمر المؤسسي علامة نضج وثقة، لأنها تعكس فريقًا قادرًا على التطوير المستمر لا على التنفيذ فقط.
بحكم تماسكم المباشر مع السوق والمستهلك، كيف رصدتم تحولات الذائقة الاستهلاكية في المملكة؟
التحول الأبرز هو أن المستهلك أصبح أكثر سرعة في الحكم وأوسع تأثيرًا، لكنه في الوقت ذاته ما زال يتأرجح بين الوعي والقيمة الآنية.
سهولة الوصول للمعلومة والمقارنة رفعت سقف التوقعات، غير أن جزءًا من السلوك الاستهلاكي لا يزال محكومًا بالسعر اللحظي لا بالقيمة الكلية.
حين يرتفع وعي المستهلك بالجودة، وبأثر اختياره على استدامة الشركة، ووظيفة المواطن، وتوسع الاقتصاد الوطني، يتغير السلوك تلقائيًا. عندها لا يعود المنتج الرديء قادرًا على الاستمرار، حتى لو كان أرخص، لأن السوق نفسها ترفضه. هذا التحول في الذائقة هو أحد أقوى أدوات تصحيح السوق، لأنه يعمل من الداخل لا بالفرض
الكلمة الاقتصادية: الشرح أم المساءلة؟
بين الخبرة العملية والرؤية الاقتصادية، كيف ترون دور الكاتب الاقتصادي اليوم؟ وهل الكلمة قادرة على التأثير في صناعة القرار؟
ليس الخطر على الكتابة الاقتصادية اليوم في أن تُخطئ، فالأخطاء تُصحَّح، ولا في أن تختلف، فالاختلاف أصل المعرفة، وإنما الخطر—كما نبّه طه حسين في حديث الأربعاء—أن تألف. فالعقل إذا ألف كفّ عن السؤال، وإذا كفّ عن السؤال مات.
لقد ألف بعض كُتّاب الاقتصاد أن يشرحوا الواقع لا ليمتحنوه، وأن يعرضوا الأرقام عرضًا مطمئنًا يخلو من المساءلة، كأن الزمن لا يحاسب، وكأن السياسات لا تُختبر إلا لغويًا. وهنا تموت الكتابة لا حين تُمنع، بل حين ترضى بدور الشارح وتتنحّى عن دور السائل.
الكاتب الاقتصادي الجاد ليس مكلّفًا بتجميل الواقع ولا بتقبيحه، بل بتعريضه للضوء القاسي: هل يصمد؟ هل يُنتج؟ هل يخلق قيمة مضافة أم يستهلك زمنًا؟ الكلمة قادرة على التأثير في صناعة القرار متى كانت اختبارًا لا وصفًا، ومساءلة لا تطمينًا؛ فإذا اكتفت بأن تقول ما حدث، ولم تسأل إلى أين يمضي ومتى ينكسر، خرجت من دائرة الفكر إلى دائرة الطمأنينة—وطُمأنينة العقول، كما علّمنا طه حسين، أول أبواب موتها
في زمن التحولات المتسارعة، ما الرسالة الأساسية التي تحرصون على إيصالها في كتاباتكم؟
الرسالة الأساسية التي أحرص عليها هي أن غياب القياس يجعلنا نناقش التحول بلغة إنشائية لا اقتصادية.
عندما نتحدث عن نجاح أو تأخر أو فجوة، يجب أن يكون السؤال مباشرًا وقابلًا للحساب: كم مصنعًا سعوديًا، أو كم خط إنتاج وطني، كان يمكن أن يوجد ولم يوجد؟
لا تستطيع تطوير ما لا تقيس
إذا لم نحول النقاش من “ماذا تحقق؟” إلى “ماذا كان ممكنًا ولم يتحقق؟” فلن نرى كلفة الفرصة الحقيقية. الإصلاح العميق لا يُقاس بعدد المبادرات أو حسن النوايا، بل بعدد خطوط الإنتاج التي أُضيفت للاقتصاد، أو لم تُضف، نتيجة هذه السياسات.
حين نقيس الأثر بهذه الطريقة، يتحول التحذير من المخاطر إلى مساءلة اقتصادية هادئة، تساعد صانع القرار والقطاع الخاص معًا على رؤية الفجوة بين الممكن والواقع واتخاذ قرارات أدق في المرحلة التالية.
قيادة هادئة في زمن التحولات
تتسم إدارتكم بالهدوء والاتزان في القضايا الشائكة. هل تؤمنون بأن الأسلوب الهادئ هو الأنجح لقيادة المؤسسات الكبرى خلال فترات التغيير؟
هذا من فضل الله علينا ولانني أؤمن أن القيادة الفاعلة في القضايا الحساسة تبدأ بحوار موضوعي وإيجابي، بعيد عن الشخصنة والانفعال. الاختلاف في الرأي أمر طبيعي، بل ضروري لاتخاذ قرارات ناضجة، لكن حين يتحول إلى صراع شخصي، تفقد المؤسسة بوصلتها وقدرتها على الاختيار الرشيد.
وكما تعلمت من والدي، محمد عبيد رحمه الله، فإن الغضب ليس مرفوضًا من حيث المبدأ، لكنه ليس أداة تُستخدم بلا ضوابط. للغضب موضعه حين يكون منضبطًا، ومفهومًا داخل فريق القيادة، ويُوظف بشكل واعٍ لتحقيق هدف واضح، لا لمجرد تفريغ الانفعال.
في فترات التحول، لا تُقاس قوة القيادة بحدة الخطاب، بل بقدرتها على إدارة الاختلاف دون كسره، وتحويل التوتر إلى طاقة قرار وبناء، لا إلى حالة انقسام
كيف تحافظون على القيم الإنسانية والأخلاقية التي نشأتم عليها في بيت بن زقر؟ وما القيم التي لا تقبلون المساومة عليها مهما كانت المغريات التجارية؟
نشأنا في بيت بن زقر على منظومة قيم راسخة وواضحة، كان يحرص على ترسيخها فينا سيدي سعيد رحمه الله، أحد مؤسسي غرفة جدة، وفي مقدمتها أن يكون كتاب الله هو المرجعية العليا، نحتكم إليه في قراراتنا، ونجعله بوصلة للعمل كما هو للحياة.
كان يؤكد لنا دائمًا أن الوعد التزام، وأن الكلمة دين، وأن رأس المال الحقيقي لأي تاجر هو سمعته ومصداقيته قبل أي توسع أو أرقام مالية. هذه القيم لم تكن شعارات، بل قواعد عملية نعود إليها عند اتخاذ القرار، خصوصًا في اللحظات التي تتعاظم فيها المغريات أو تشتد فيها الضغوط.
ومن المبادئ التي لا نقبل التنازل عنها أيضًا إدارة العمل بعقلية الباب المفتوح، والحرص على التواجد المستمر في الميدان وبين فرق العمل، لأن القيادة من خلف المكاتب فقط تفقد اتصالها بالواقع. القرب من الناس، ومن تفاصيل التشغيل اليومية، هو ما يحفظ التوازن بين القيم والنتائج، ويضمن استدامة الأعمال لا مجرد تحقيق نجاح عابر.
كلمة أخيرة
كلمة أخيرة توجهونها لمجتمع الأعمال في جدة، وللشباب ورواد الأعمال الذين يخطون خطواتهم الأولى في عالم التجارة والصناعة..
رسالتي للشباب ورواد الأعمال أن يدركوا أن الأرزاق مقسومة، فلا يُطلب الرزق على حساب القيم، ولا يُختصر الطريق بما يُضعف البركة أو يهدد السمعة. لم يُطلب من الإنسان أن يكون خبيرًا في الاقتصاد أو الإدارة بقدر ما طُلب منه الالتزام بالأسباب: العمل الجاد، والانضباط، وتحمل المسؤولية.
اعملوا واجتهدوا، وابقوا قريبين من واقع السوق وتحدياته، وتذكروا أن لكل سعي حقًا يجب أن يعود نفعه على المجتمع. احرصوا على أن يكون لكم حضور في أعمال الخير، ومشاركة فاعلة في القطاع غير الربحي، وفي الغرف التجارية ولجانها ومبادراتها، فهي ليست مجرد منصات اجتماعية، بل مدارس عملية تعلّم المسؤولية، وتصقل القيادة، وتخدم الاقتصاد الوطني.
بهذا التوازن بين السعي والقيم، وبين العمل والعطاء، تُبنى مسيرة مهنية مستدامة، لا نجاحات عابرة تزول مع أول اختبار.
نشكر لكم مشاركتكم معنا، وهل لديكم ما تودون إضافته..
في الختام، أتقدم بخالص الشكر والتنويه والتقدير إلى خادم الحرمين الشريفين، وإلى سمو ولي عهده الأمين، الأمير محمد بن سلمان الذي يحمل الأمانة ويقودنا جميعا في الاتجاه الصحيح. وفي مرحلة دقيقة وحساسة، وكان فيها الاقتصاد قبل الرؤية، على أعتاب تحديات عميقة لا يعلم مداها إلا الله، وجاءت الرؤية القرارات الحاسمة واتسمت بالحكمة والمسؤولية، فأعادت التوازن، وحمت الوطن واقتصاده والمجتمع من كلفة كان من الممكن أن تكون باهظة.
ونحمد الله على نعمه العظيمة ومنها هذا الاستقرار الذي لم يكن وليد المصادفة، بل ثمرة قيادة أحسنت قراءة اللحظة، وقدّمت مصلحة البلاد فوق كل اعتبار. وهو ما يضع على عاتقنا، نحن في القطاع الخاص، مسؤولية مضاعفة لأن نكون على قدر هذه الثقة، وأن نحوّل الاستقرار إلى عمل منتج، ومؤسسات مستدامة، واقتصاد يخدم الإنسان قبل أن يُقاس بالأرقام.





















