- التخصص المهني أصبح ضرورة تفرضها طبيعة الأعمال
- الاستشارة القانونية المبكرة تقلل المخاطر قبل وقوع النزاع
- الحماية القانونية تبدأ من دراسة الجدوى ونموذج العمل
- العقد الجيد يحمي العلاقة التجارية قبل أن يبدأ الخلاف
- العقد الجامد قد يتحول من وسيلة للحماية إلى ثغرة لإهدار الحقوق
- اتفاقية الشركاء تحسم كثيرًا من الخلافات قبل نشوئها
على مدى العقود الثلاثة الماضية، مرت مهنة المحاماة في المملكة العربية السعودية بمراحل متتابعة من التطور التنظيمي والتشريعي، رافقها تحول في طبيعة الممارسة القانونية، واتساع في مجالات التخصص، وتطور في أدوات العمل العدلي. ومع اكتمال عدد من التشريعات النوعية والتحول المتسارع نحو الخدمات العدلية الرقمية، أصبحت الممارسة القانونية أكثر ارتباطًا بمتطلبات الأعمال والاستثمار، وبحاجة المنشآت إلى الحماية النظامية وإدارة المخاطر قبل نشوء النزاعات.
وفي هذا الحوار مع مجلة «التجارة»، يستعرض الدكتور أنور بخرجي، المحامي والمستشار القانوني والمحكّم التجاري المعتمد، أبرز ملامح هذا التطور، متناولًا مسار مهنة المحاماة والتخصصات القانونية، وأهمية الاستشارة المبكرة وهندسة العقود، وأثر النهضة التشريعية في البيئة الاستثمارية، إلى جانب مستقبل التحكيم والوساطة، وحدود استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل القانوني. كما يقدم جملة من التوجيهات لرواد الأعمال والمحامين والمحاميات في بداية مسيرتهم المهنية، مستندًا إلى خبرته العملية في الاستشارات والتقاضي والحلول البديلة.
قراءة في مسار التحولات
كيف تقيّمون مسار التحول الذي شهدته مهنة المحاماة في المملكة، وما المجالات القانونية التي تستحوذ على الجانب الأكبر من ممارستكم المتخصصة؟
شهدت مهنة المحاماة في المملكة تحولات جذرية خلال العقود الثلاثة الماضية؛ فقبل نحو ثلاثين عامًا كان المشهد العدلي يشهد حضور ما كان يُعرف بالوكلاء الشرعيين «الدعوجية» إلى جانب المحامين المؤهلين، ومع التدرج التنظيمي والتشريعي حُصرت ممارسة المهنة والترافع في المحامين المرخصين نظامًا.
وتعكس البيانات الرسمية هذه القفزة؛ إذ ارتفع عدد المحامين والمحاميات المرخصين من 3,844 في عام 2016م إلى قرابة 15,900 في عام 2025م، مدفوعًا بالتحديثات التشريعية، وتيسير إجراءات الترخيص، والتوسع في برامج وكليات الحقوق والأنظمة، وتطوير البنية التحتية العدلية الرقمية. كما فرض هذا التطور الحاجة إلى التخصص المهني الدقيق.
وتتركز ممارستنا عبر فرق متخصصة في الاستشارات والرأي النظامي، وصياغة ومراجعة العقود والاتفاقيات، وتقديم الخدمات القانونية للمنشآت منذ التأسيس، وحماية حقوق الملكية الفكرية، إلى جانب الترافع والتمثيل أمام المحاكم واللجان شبه القضائية، مع التركيز على الحلول الودية متى كانت مناسبة لطبيعة النزاع.
الحماية القانونية للمنشآت
ما الأهمية الحقيقية للاستشارة القانونية المبكرة للمنشآت، وما أبرز العثرات الشائعة التي تقع فيها الشركات وكان بالإمكان تلافيها؟
الاستشارة القانونية هي التطبيق العملي لمبدأ «الوقاية خير من العلاج». فالنشاط التجاري بطبيعته تحفه مخاطر متعددة، وتدخل المستشار القانوني في مرحلة ما قبل إبرام الصفقات أو توقيع الاتفاقيات يساعد على اتخاذ قرارات متزنة تحفظ الحقوق والواجبات، وتخفض المخاطر الاستثمارية، وتجنب المنشأة مخالفات قد تؤثر في استقرارها.
ومن واقع الممارسة، من أبرز الأخطاء التأخر في استكمال التأسيس والتراخيص، وضعف متابعة التحديثات التنظيمية، واستخدام عقود غير احترافية أو مبهمة، وإهمال حماية الملكية الفكرية، والتقصير في الالتزامات الزكوية والضريبية، إلى جانب عدم تنظيم عقود العاملين والحقوق المرتبطة بنظام العمل.
تمثل العقود خط الدفاع الأول لأي منشأة، ما ركائز الصياغة المحكمة وما الإشكالات العملية التي ترصدونها في الاتفاقيات؟
العقود التجارية وثائق نظامية ترتب آثارًا قانونية ومالية وإجرائية، ولذلك لا ينبغي النظر إليها كصيغ نمطية، وإنما تحتاج إلى صياغة دقيقة تراعي طبيعة التعامل والقطاع، وتحقق التوازن في الالتزامات، وتحدد مسؤوليات الأطراف وآليات التنفيذ وحل النزاعات.
ومن أبرز الإشكالات اعتماد «عقد موحد» لجميع عمليات المنشأة رغم اختلاف طبيعة التعاملات أو تغير حجم الأعمال والتزامات الأطراف. كما تظهر فجوة بين ما يجري فعليًا وبين ما هو مدون في العقد، مثل تغير كميات التوريد أو آليات السداد والتسليم أو شروط الجودة دون توثيقها بملاحق تعاقدية ملزمة. ويضاف إلى ذلك القصور في تحديد معايير الإنجاز والمسؤوليات عند التأخير أو الإخلال، وغياب مسار واضح يبدأ بالتفاوض الودي قبل التحكيم أو اللجوء إلى المحكمة المختصة.
النهضة التشريعية
كيف تنظرون إلى النقلة التشريعية الأخيرة في المملكة، وما أثرها المباشر في تعزيز الثقة الاستثمارية وتنافسية الأعمال؟
تمثل التشريعات الحديثة نقلة مهمة في تنظيم البيئة القضائية والمدنية، ومن أبرزها نظام المعاملات المدنية الذي ينظم المسؤوليات والالتزامات والعقود واستقرار التعاملات، إلى جانب نظام الإثبات ونظام الأحوال الشخصية، والتطورات المرتبطة بالمنظومة الجنائية.
وعلى الصعيد الاقتصادي والتجاري، عزز نظام الاستثمار المحدث وضوح البيئة التشريعية للمستثمرين المحليين والدوليين، فيما أتاح نظام الشركات مرونة أكبر لدعم ريادة الأعمال والاستثمار والاندماج وحماية حقوق الشركاء، ومن ذلك استحداث «شركة المساهمة المبسطة».
وتتكامل هذه المنظومة مع نظام الإفلاس، الذي يوفر خيارات لإعادة التنظيم المالي والهيكلة، ونظام التنفيذ، إلى جانب تنظيمات تملك الأجانب للعقار وحرية تحويل الأموال والأرباح، ومنصات التقاضي الإلكتروني مثل «ناجز». وتدعم هذه التشريعات والأدوات كفاءة التعاملات وحماية الحقوق ووضوح البيئة النظامية للأعمال.
ما الموجهات القانونية التي تنصحون بها رواد الأعمال وأصحاب المنشآت الناشئة منذ مرحلة التأسيس؟
الموجه الأساسي هو التعامل مع الحماية القانونية كعنصر أصيل في دراسة الجدوى ونموذج العمل، وليس إجراءً طارئًا بعد وقوع النزاع. ويبدأ ذلك باختيار الكيان النظامي المناسب لطبيعة رأس المال والمسؤولية والتمويل، والاستفادة من الأشكال النظامية التي أتاحها نظام الشركات، ومنها شركة المساهمة المبسطة.
وعند تعدد الشركاء، تصبح «اتفاقية المؤسسين» أو «اتفاقية الشركاء» ضرورة لتنظيم الحصص والمساهمات وآليات اتخاذ القرارات المصيرية، وحل حالات الجمود، وتسوية النزاعات، وحماية الملكية الفكرية والسرية. كما ينبغي التأكد من استيفاء الاشتراطات والتراخيص ومطابقة الأنشطة الفعلية للسجلات والتراخيص.
فضاء العدالة الرقمية
كيف تفرّقون بين التحكيم والوساطة في بيئة الأعمال، وما المتوقع لمشروع نظام التحكيم الجديد؟
التحكيم والوساطة من أهم الوسائل البديلة لتسوية المنازعات، لكنهما يختلفان في طبيعة الإجراء وأثره. فالتحكيم مسار شبه قضائي يصدر فيه المحكم أو الهيئة التحكيمية قرارًا فاصلًا وملزمًا للطرفين، بينما تقوم الوساطة على تقريب وجهات النظر والوصول إلى حل يرضى به الأطراف دون فرض قرار من الوسيط، وتمتاز عادة بالمرونة والسرعة وانخفاض التكلفة.
وتتجه البيئة العدلية نحو تطوير هذا المجال من خلال مشروع نظام التحكيم الجديد المطروح للاستطلاع، بما يستهدف تطوير الإجراءات وتعزيز الثقة في التحكيم وتسوية المنازعات، إلى جانب تخفيف أعباء القضايا عن المحاكم.
كيف غيّر التحول الرقمي طبيعة عمل المحامي، وما حدود استيعاب تقنيات الذكاء الاصطناعي في الاستشارات القانونية؟
أحدث التحول الرقمي تغييرًا كبيرًا في أسلوب ممارسة المحاماة، فقد أسهمت منصات التقاضي الإلكتروني وأنظمة إدارة الدعاوى والوثائق في تسريع البحث وإدارة الملفات والجلسات وتقليل الوقت والنفقات المرتبطة بالإجراءات التقليدية.
لكن التكنولوجيا لا تلغي دور المحامي، وإنما تعيد تشكيله؛ فالأعمال الروتينية يمكن أن تتراجع لصالح التحليل وتكييف الوقائع والتفاوض وإدارة استراتيجيات الدفاع والمخاطر.
أما الذكاء الاصطناعي فيمكن أن يساعد في تلخيص الأنظمة واللوائح، وتصنيف الوثائق، ومراجعة المسودات الأولية للعقود، لكنه لا يغني عن الخبرة البشرية. كما ينبغي الحذر من «الهلوسة الرقمية»، إذ قد تنتج بعض الأدوات معلومات تبدو صحيحة لكنها تتضمن سوابق وهمية أو نصوصًا ملغاة أو خلطًا بين أنظمة مختلفة. ولذلك تظل مسؤولية المحامي قائمة في التحقق من المراجع الرسمية ودقة المعلومات.
رسائل لجيل المستقبل
ما الصفات التي تميز المحامي الناجح اليوم، وما نصيحتكم للمحامين والمحاميات الشباب في بداية مسيرتهم المهنية؟
مهنة المحاماة لا تُكتسب بالتحصيل النظري وحده، وإنما تصنعها الممارسة والمثابرة. ويحتاج المحامي إلى مهارات متكاملة تشمل سلامة اللغة والقدرة على التواصل، والصياغة والتحليل القانوني، والتمكن من الأدوات الرقمية، إلى جانب الأمانة المهنية وحسن التعامل مع الموكلين.
ونصيحتي للمحامين والمحاميات الشباب هي التعلم المستمر، وحضور الجلسات ومراقبة أداء أصحاب الخبرة، والمطالعة الدائمة للأنظمة واللوائح والتعاميم والأحكام الحديثة، مع صقل لغة المرافعة والكتابة والقدرة على إيصال الفكرة النظامية بدقة وإيجاز.
كما تبقى النزاهة وحفظ أسرار الموكلين والالتزام بالأنظمة من أسس المهنة، إلى جانب الصبر والشغف؛ فبناء الخبرة القانونية يحتاج إلى ممارسة مستمرة ومواكبة التطور التشريعي الذي تشهده المملكة.
د. أنور بن علي بخرجي
محامٍ ومستشار قانوني ومحكّم تجاري معتمد، يمتلك تجربة مهنية وأكاديمية تمتد لأكثر من ثلاثة عقود في قطاع المحاماة والاستشارات القانونية للأعمال.
بدأت مسيرته العلمية بالحصول على بكالوريوس الأنظمة من جامعة الملك عبد العزيز عام 1994م، ثم ماجستير الأنظمة عام 2006م من الجامعة ذاتها، متوجًا دراساته بنيل الدكتوراه في القانون الدولي من جامعة إمباسدور الأمريكية.
وتنوّعت محطات تجربته العملية بين الترافع، وصياغة العقود التجارية، وتقديم الاستشارات السنوية للشركات عبر مكتبه المتخصص، إلى جانب اعتماده خبيرًا لدى وزارة العدل، وتوليه رئاسة وعضوية هيئات تحكيمية في منازعات تجارية كبرى. كما أثرى المشهد القانوني بالتدريس الأكاديمي محاضرًا بكلية السياحة في جامعة الملك عبد العزيز، والكتابة في الصحف المحلية، وتأليف كتاب «التعليق على نظام التحكيم السعودي».


