- التحديثات النظامية قلصت البيروقراطية بشكل جذري.. ونمو الأنشطة غير النفطية يعكس مرونة اقتصادنا في 2026
- غياب الحوكمة المبكرة أبرز العثرات التي تواجه المشاريع الناشئة وتعيق توسعها
- رأس المال الحقيقي للمستشار هو “السمعة المهنية” والموثوقية مع الشركاء والعملاء
- نعمل على ترسيخ فلسفة الانتقال من عقلية “الرعايات التقليدية” إلى “الاستثمار الاجتماعي المشترك”
- قطاع التطوير العقاري يتصدر الفرص الواعدة مدعومًا بأنظمة جودة الحياة والمدن الذكية
- القطاع الخاص شريك أساسي في التنمية ودوره امتد للمسؤولية الوطنية وصناعة الأثر المستدام
- الاستثمار الأنجح والأعلى ربحية هو الاستثمار في الكوادر البشرية الوطنية وتوطين المعرفة
- الحوكمة صمام أمان للشركات العائلية يفصل بين الملكية والإدارة ويحميها من التفكك عبر الأجيال
تكتسب الأرقام والمؤشرات في عالم المال والأعمال قيمتها الحقيقية وقوتها واستدامتها حين تقترن بالأطر التشريعية والالتزامات المجتمعية. يجسد المستشار القانوني والاقتصادي، الأستاذ هاني محمد الجفري، هذا التكامل من خلال مسيرته المهنية التي تجمع بين الاقتصاد والتجارة والاستثمار، مستندًا إلى خبرة عملية في قراءة المتغيرات النظامية وتطويعها لخدمة نمو المؤسسات واستقرارها.
وفي حواره لـ«التجارة»، يشاركنا المستشار هاني الجفري رؤيته حول كيفية صناعة بيئة استثمارية آمنة ومستدامة عبر «الحوكمة والامتثال»، مستعرضًا آفاق التنمية في العاصمة المقدسة ومحافظة جدة، وأهمية صياغة شراكات بين القطاعين العام والخاص والقطاع الثالث لخدمة المجتمع وتوطين المعرفة.. إلى تفاصيل اللقاء.
البدايات والمسيرة المهنية
حدثنا عن بداياتكم وكيف كانت انطلاقة مسيرتكم المهنية وعلاقتها بالرياضة؟
الشغف بمنظومة الاقتصاد والتجارة والطموح المهني قادني إلى التعمق في مجالات القانون والاقتصاد، إيمانًا مني بأن بناء الفرد وتطوير مهاراته التشريعية والاستثمارية يمثل ركيزة أساسية لخدمة التنمية الوطنية، وهو ما قادني لاحقًا إلى قطاع العمل التجاري والمؤسسي من بوابة الشراكة المجتمعية والاستشارات المهنية. أما فيما يتعلق بالجانب الرياضي، فقد شكلت الرياضة مدرسة أولى في الانضباط والعمل الجماعي وإدارة التنافسية بشفافية، فضلًا عن تحول القطاع الرياضي اليوم في المملكة إلى صناعة اقتصادية متكاملة تتطلب عقودًا استثمارية، وحوكمة للأندية، ورعايات تجارية تخضع لمعايير قانونية ومالية دقيقة.
ما أهم المحطات التي شكلت مسيرتكم القانونية والاقتصادية؟
مسيرتي مرت بمحطات رئيسية تحولية، أبرزها الانتقال من العمل التنفيذي الميداني إلى مرحلة تقديم الاستشارات القانونية والاقتصادية وصناعة مبادرات الشراكة. هذا الانتقال منحني القدرة على رؤية التحديات من زاويتين؛ زاوية الممارس التنفيذي الذي يبحث عن المرونة والسرعة والإنجاز، وزاوية المستشار القانوني الذي يضع الضوابط لحماية المكتسبات وتجنب المخاطر قبل وقوعها.
ما أهم الدروس التي تعلمتها خلال سنوات العمل الاستشاري والتنموي؟
أهم درس هو أن الاستثمار الناجح يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحماية القانونية والامتثال؛ فالتخطيط الاستراتيجي والوضوح التشريعي يمنحان المشاريع قوتها واستدامتها. تعلمت أيضًا أن رأس المال الحقيقي يشمل «السمعة المهنية» والموثوقية التي يبنيها المستشار مع شركائه وعملائه. وأخيرًا، أدركت أن الاستثمار الأنجح هو الاستثمار في الكوادر البشرية الوطنية وتوطين المعرفة، لكون الإنسان هو المحرك الأساسي للتنمية.
مجالات التركيز والإنجازات
ما المجالات والقطاعات التي تركزون عليها في جانب الاستشارات والاهتمام الاقتصادي حاليًا؟
أركز حاليًا على القطاعات الواعدة التي تتوافق مع مستهدفات التنمية ورؤية السعودية 2030، وفي مقدمتها العقار والاستشارات الاقتصادية والتجارية للشركات، حيث يشهد هذا القطاع طلبًا متزايدًا لمواكبة التحديثات التشريعية في بيئة الأعمال السعودية.
إلى جانب ذلك، ينصب اهتمامي التشغيلي على المشاريع ذات الأثر المجتمعي المستدام، وتطوير حلول لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بما يرفع كفاءة الخدمات ويدعم حوكمة وتنافسية قطاع الأعمال.
ما أبرز الإنجازات التي تعتزّون بها في مجال عملكم الحالي والاستشاري؟
أعتز بتوظيف خلفيتي القانونية والاقتصادية في صياغة أطر نظامية متينة لمبادرات الشراكة المجتمعية، وتحويل الأفكار التنموية إلى برامج مؤسسية تعزز التكامل بين القطاعات. كما أعتز بمساهماتي في دعم عدد من الشركات عبر حوكمة أعمالها وحمايتها من العثرات النظامية، وتقديم قيمة مضافة تخدم الاقتصاد الوطني.
بحكم تركيزكم على منطقتي مكة المكرمة وجدة، كيف تقرؤون الخصوصية الاستثمارية والتشريعية لهاتين المدينتين؟
مكة المكرمة وجدة تشكلان ثنائية اقتصادية وتنموية فريدة؛ فالعاصمة المقدسة تشهد مشاريع بنية تحتية وتطوير عقاري وخدمي غير مسبوق لخدمة ضيوف الرحمن، ما أوجد حراكًا استثماريًا يتطلب أُطرًا تعاقدية وتشغيلية عالية الكفاءة. وفي المقابل، تمثل جدة البوابة التجارية واللوجستية والسياحية على ساحل البحر الأحمر. هذا التكامل يفرض على المستثمرين والمستشارين فهم الطبيعة التنظيمية الخاصة بكل وجهة، والاستفادة من التسهيلات الحكومية الممنوحة لمشاريع الضيافة، والنقل، والخدمات اللوجستية، والتطوير الحضري.
الرؤية الاقتصادية واستشراف المستقبل
كيف ترون مستقبل الاقتصاد السعودي في ظل التطورات الراهنة لعام 2026؟
يسير الاقتصاد السعودي بخطى ثابتة نحو موقع ريادي إقليمي وعالمي متقدم، تدعمه الأرقام والمؤشرات الحالية لعام 2026، حيث نشهد نموًا ملحوظًا ومتسارعًا للأنشطة غير النفطية التي باتت محركًا رئيسيًا للناتج المحلي الإجمالي.
تؤكد التطورات الراهنة نجاح المملكة في بناء اقتصاد مرن بفضل تنوع مصادر الدخل، وتطور البيئة التشريعية، وانتقال العديد من المشاريع الكبرى بنجاح من مرحلة التخطيط إلى التشغيل الفعلي.
نود أن تلقي الضوء على الفرص الاستثمارية التي تتيحها رؤية المملكة 2030 من منظوركم القانوني والاقتصادي..
أعادت الرؤية هيكلة الاقتصاد ووفرت فرصًا استثمارية واسعة. أرى أن قطاع التطوير العقاري المستند إلى أنظمة جودة الحياة والمدن الذكية يأتي في المقدمة، مدعومًا بطلب عالٍ وتشريعات تضمن حقوق الأطراف كافة. كذلك تبرز فرص نوعية في قطاعات الخدمات اللوجستية، التقنيات المالية، والاستثمار الاجتماعي التنموي، وهي متاحة للشركات القادرة على تقديم حلول مبتكرة تلتزم بمعايير الحوكمة.
كيف تقيمون بيئة الاستثمار في المملكة اليوم مقارنة بالسنوات الماضية؟
شهدنا تحولات إجرائية وتشريعية هيكلية؛ فالأنظمة المحدثة وفي مقدمتها نظام الاستثمار الجديد، ونظام المعاملات المدنية، ونظام الشركات الجديد، قلصت البيروقراطية بشكل جذري، وحققت مستويات عالية من الشفافية وسهولة ممارسة الأعمال عبر المنصات الرقمية. إن حماية حقوق المستثمر، وتفعيل وسائل تسوية المنازعات البديلة كالتحكيم التجاري والمصالحة، والوضوح التنظيمي، كلها عوامل جعلت المملكة اليوم من أكثر البيئات الاستثمارية أمانًا وجاذبية على مستوى العالم لرؤوس الأموال الاستراتيجية.
ما هي القطاعات الواعدة التي تتوقعون لها نموًا كبيرًا؟
القطاع العقاري والخدمات المرتبطة به مستمر في النمو، لاسيما في مكة المكرمة وجدة، يليه قطاع التقنية والتحول الرقمي والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي. وهناك قطاع حيوي هو «سياحة الأعمال والمؤتمرات والمعارض»؛ حيث تساهم الفعاليات الكبرى في تنشيط قطاعات الضيافة والنقل، إلى جانب مشاريع الطاقة المتجددة.
تمكين الشركات الناشئة والشراكة المجتمعية
ما هي العقبات الرئيسية التي تواجه المشاريع الناشئة؟ وكيف يمكن التغلب عليها قانونيًا وإداريًا؟
التحدي الأبرز الذي يواجه المشاريع الناشئة غالبًا هو «غياب الحوكمة المبكرة» وإغفال الجوانب القانونية في عقود التأسيس ونماذج العمل. يُمكن التغلب على ذلك بالاستعانة بالتوجيه المهني والقانوني منذ البداية، وإعداد دراسات جدوى دقيقة، والاستفادة من حاضنات الأعمال والدعم الحكومي لبناء نموذج عمل مرن وقابل للتوسع.
تشكل الشركات العائلية والمتوسطة ثقلًا كبيرًا في اقتصادنا، كيف تسهم الحوكمة في ضمان استمراريتها عبر الأجيال؟
الحوكمة بالنسبة للشركات العائلية لم تعد خيارًا تكميليًا، بل هي صمام أمان لحمايتها من التفكك عند انتقال الإدارة بين الأجيال. تطبيق الحوكمة يفصل بوضوح بين الملكية والإدارة، ويضع مواثيق عائلية ولوائح داخلية تنظم آليات اتخاذ القرار، وتوزيع الأرباح، وتخارج الشركاء، مما يهيئ هذه الكيانات للتوسع أو الإدراج في السوق المالية مستقبلًا، ويحفظ ثرواتها ومساهمتها في الناتج الوطني.
ما دور القطاع الخاص في خدمة المجتمع والتنمية المستدامة؟
القطاع الخاص شريك أساسي في التنمية، وتوسع دوره ليشمل المسؤولية الوطنية عبر المساهمة في توليد الوظائف ونقل المعرفة وبناء المبادرات التنموية. الشركات الحديثة تدرج اليوم الأثر الاجتماعي والبيئي ضمن مؤشرات أدائها، وتسعى لخلق قيمة مضافة مستدامة للمجتمع من خلال برامج التدريب والتمكين.
كيف يمكن تعزيز الشراكة بين رجال الأعمال والجهات غير الربحية والقطاع الحكومي؟
يشهد القطاع الثالث (غير الربحي) تنظيمًا متميزًا بفضل الأنظمة الجديدة. ولتعزيز الشراكة معه، نعمل على ترسيخ نموذج ينتقل من «الرعايات التقليدية» إلى «الاستثمار الاجتماعي والمشاريع التنموية المشتركة». يتحقق ذلك بابتكار صناديق تنموية وأوقاف استثمارية تُدار بكفاءة تشغيلية عالية لتخدم قطاعات كالإسكان التنموي والتدريب؛ فحين يلمس المستثمر تحول مساهمته إلى مشروع مستدام يولد فرص عمل، يتحفز لبناء شراكات استراتيجية طويلة الأجل.
ختامًا.. ما هي رسالتكم لرواد الأعمال والمستثمرين الشباب في بداية طريقهم؟
رسالتي لهم أن يبنوا مشاريعهم على أسس نظامية وتعاقدية واضحة منذ اليوم الأول، فالفرص في المملكة اليوم تاريخية واستثنائية، ولكن اقتناصها والحفاظ عليها يتطلب وعيًا قانونيًا وإدارة مالية رشيدة. لا تترددوا في طلب المشورة المتخصصة قبل توقيع الالتزامات، واجعلوا من الامتثال والحوكمة ثقافة عمل يومية، لأنها الجسر الحقيقي الذي يعبر بالمشاريع من مجرد أفكار واعدة إلى كيانات اقتصادية كبرى ومستدامة.



