- الاعتماد الكلي على الاقتصاد الرقمي يفرض تحديات سيبرانية واقعية تمس الخدمات الأساسية
- اختبار خطط التعافي بانتظام يضمن استدامة الخدمات الحيوية في قطاعات البنوك والصحة والطاقة
- تأمين الأنظمة من مستوى الشريحة الإلكترونية يعزز سلامة وأمن جميع الطبقات البرمجية الفوقية
- وسائل الحماية القائمة على العتاد والأجهزة تتصدى لمئة وخمسين تقنية هجوم سيبراني معروفة
- توقف أنظمة الهوية الرقمية ومنصات الدفع الإلكتروني يؤثر فوريًا على الأفراد والشركات والدولة
- عمل المناطق السحابية داخل مناطق النزاعات النشطة يدفع القادة لإعادة النظر في أماكن استضافة أنظمتهم
- تقليص ميزانيات التكنولوجيا الإقليمية يوجه الاستثمارات نحو الإنفاق الإلزامي لضمان استمرارية الأعمال
- مراكز البيانات الوطنية تمنح المؤسسات سيطرة مادية مباشرة وتحد من التعرض للاضطرابات الخارجية
- تحديد الخدمات الرقمية الحيوية وتطبيق سياسات الامتثال المتسقة يدعمان طموحات التحول الوطني
في وقتٍ تتسارع فيه خطى المملكة العربية السعودية نحو صياغة مستقبلها الرقمي كأحد المرتكزات الأساسية لرؤية السعودية 2030، تفرض التطورات المتسارعة في المشهدين الاقتصادي والجيوسياسي لعام 2026 واقعًا جديدًا يضع “أمن واستمرارية الأعمال” في مقدمة الأولويات الاستراتيجية. هذا التحول الهائل نحو الرقمنة الشاملة للخدمات الحكومية والمالية واللوجستية، واكبته تحديات سيبرانية وتشغيلية غير مسبوقة، جعلت من الصمود الرقمي مسألة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأمن الوطني والسيادة الاقتصادية.
«التجارة» التقت المهندس طه خليفة، المدير العام لشركة “إنتل” (Intel) في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، وأحد أبرز القادة التنفيذيين في قطاع التكنولوجيا إقليميًا وعالميًا، لفتح ملف “المرونة الرقمية السيادية” والبنية التحتية المحلية. وفي هذا الحوار الخاص، يضع خليفة النقاط على الحروف حول الصياغة الجديدة لمفهوم التعافي من الكوارث، وكيف أن الأمن الحقيقي للمنصات الوطنية والمدن الذكية والذكاء الاصطناعي لا يبدأ من البرمجيات السطحية، بل من عمق الأجهزة والشرائح الإلكترونية وسلاسل التوريد الآمنة، مستعرضًا خارطة طريق عملية لتمكين المؤسسات والقطاعات الحيوية من حماية نتائجها وضمان استدامة نموها في أوقات الأزمات.. فإلى تفاصيل الحوار:
واقع التحول الرقمي وتحديات المشهد الراهن
نشهد تسارعًا هائلًا في التحول الرقمي بالمملكة العربية السعودية وفق رؤية 2030، وهو ما دفع بعجلة النمو الاقتصادي بشكل غير مسبوق. برأيك ما هي التحديات والمخاطر الجديدة التي برزت بالتزامن مع هذا الاعتماد المتزايد على الاقتصاد الرقمي؟
بكل تأكيد، التحول الرقمي نجح في دفع عجلة النمو الاقتصادي ورفع جودة الخدمات الحيوية كالصحة والطاقة والخدمات المالية. لكن في المقابل، هذا الاعتماد الكلي جعلنا أمام مخاطر واقعية ومباشرة؛ فالهجمات السيبرانية، والاضطرابات البيئية، وأعطال البنية التحتية لم تعد مجرد سيناريوهات بعيدة الاحتمال، بل أصبحت تهديدات حقيقية تمس الأنظمة المالية والخدمات العامة الأساسية.
بالأرقام، كيف أثرت هذه التحديات والاضطرابات الإقليمية على حجم الإنفاق التكنولوجي في المنطقة؟
الأرقام تعكس بوضوح هذا التحول في العقلية الاستراتيجية. قبل النزاعات الأخيرة في منطقة الخليج، توقعت مؤسسة IDC أن ينمو الإنفاق على تكنولوجيا المعلومات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسبة 5% لعام 2026. ولكن بحلول أبريل من هذا العام، تم خفض التوقعات لتتراوح بين 3% و4%. هذا التراجع لا يعني التوقف، بل يعني إعادة توجيه دقيقة للميزانيات؛ فالأولوية القصوى باتت تُمنح فقط للإنفاق التكنولوجي الإلزامي الذي يضمن استمرارية الأعمال، يعزز الأمن السيبراني، ويسرّع بناء “البنية التحتية السيادية”. في أوقات عدم اليقين، الاستثمار في المرونة هو الثابت الوحيد.
التعافي من الكوارث كأولوية استراتيجية
تحدثت في مقالك عن تحول مفهوم “التعافي من الكوارث” من مجرد إجراء وقائي إلى أولوية استراتيجية. ما الذي استجد في السوق الإقليمية ليدفع بهذا الاتجاه؟
لقد سلطت ندوة IDC الأخيرة لعام 2026 الضوء على واقع غير مسبوق: وللمرة الأولى، هناك مناطق سحابية ومراكز بيانات كبرى تعمل بنشاط داخل مناطق تشهد نزاعات مسلحة. هذا الواقع الصادم دفع قادة الأعمال وصناع القرار إلى إعادة النظر في أماكن استضافة أنظمتهم. الهدف لم يعد مجرد الحفاظ على “توافر” (Availability) الأنظمة لخلق توازن مالي، بل أصبح يركز على القدرة على “التعافي الكامل والصامد” عبر مناطق جغرافية متعددة عند حدوث أي اضطراب مفاجئ.
“الاضطراب الرقمي في قطاعات كالبنوك أو الصحة أو الطاقة لم يعد مجرد مشكلة تجارية أو خسارة مالية للمؤسسة، بل أصبح قضية أمن وطني تمس ثقة المواطن في الدولة.”
وما الدور الذي تلعبه مراكز البيانات المحلية داخل المملكة في تعزيز هذا الصمود؟
البنية التحتية المحلية ومراكز البيانات الوطنية تمنح المؤسسات سيطرة مادية ومباشرة على بيئاتها التقنية. هذا الاستثمار يحد بشكل كبير من التعرض للاضطرابات الخارجية، ويضمن استجابة فائقة السرعة، وامتثالًا صارمًا للوائح التنظيمية المحلية. باختصار: المرونة الرقمية يجب أن تُبنى في أصل النظام منذ البداية، ولا يمكن إضافتها لاحقًا كأداة تجميلية بعد وقوع الأزمة.
الأمن السيبراني يبدأ من مستوى “العتاد” (Hardware)
عند الحديث عن الأمن السيبراني، يذهب التفكير مباشرة إلى البرمجيات ومكافحات الفيروسات. لكنك في “إنتل” تؤكد أن الأمن الحقيقي يبدأ من مستوى أعمق. هل لك أن توضح لنا ذلك؟
هذا صحيح، البرمجيات مهمة، لكن الأمن المستدام والعميق يبدأ من مستوى الأجهزة والشرائح الإلكترونية (Silicon-level security). تقرير أمن المنصات لعام 2026 الصادر عن إنتل أثبت بالأدلة أن وسائل الحماية الأمنية القائمة على الأجهزة يمكنها التصدي والارتباط بـ 150 تقنية هجوم معروفة. عندما تؤمن النظام من مستوى الشريحة، فإنك تضمن سلامة كافة الطبقات البرمجية التي تُبنى فوقها.
مع توسع المملكة في الطموحات الكبرى كالمدن الذكية، الحوسبة السحابية، وحلول الذكاء الاصطناعي، أصبح الأمن التكنولوجي جزءًا لا يتجزأ من منظومة الدفاع الوطني. وهنا تبرز أهمية “سلاسل التوريد الآمنة” لضمان خلو المكونات الحيوية من أي ثغرات خفية قد تهدد منصات وطنية بأكملها.
استمرارية الأعمال والسيادة الرقمية
كيف تشابك مفهوم “استمرارية الأعمال” اليوم ليصبح مرادفًا لـ “السيادة الوطنية“؟
في السابق، كانت استمرارية الأعمال تعني ببساطة إبقاء الشاشات تعمل أثناء انقطاع الكهرباء أو الأعطال البسيطة. اليوم، المفهوم ارتبط بحوكمة البيانات والسيادة الوطنية. أنظمة الهوية الرقمية، ومنصات الدفع الإلكتروني، والخدمات الحكومية هي العمود الفقري للحياة اليومية في المملكة. أي توقف فيها له أثر فوري ومعطل للمجتمع والاقتصاد. لذلك، نعتمد اليوم على أدوات حديثة لعزل أعباء العمل الحساسة وفصل الأنظمة الحيوية، لمنع انتقال الأعطال من نظام إلى آخر، مما يحمي السيادة الرقمية للدولة بشكل كامل.
خارطة الطريق للمستقبل
بصفتك خبيرًا وقائدًا إقليميًا، ما هي الخطوات العملية المباشرة التي تنصح بها قادة المؤسسات في المملكة لتعزيز جاهزيتهم للمستقبل؟
المرونة الرقمية لا تُبنى بين ليلة وضحاها، لكن الخارطة أمام قادة المؤسسات في المملكة واضحة ومحددة. وممكن تلخيصها في خمس خطوات أساسية:
- تحديد الخدمات الحيوية: فرز وتحديد الوظائف الرقمية التي لا تحتمل الانقطاع بثانية واحدة (مثل أنظمة الهوية والدفع).
- اختبار نقاط الضعف المستمر: محاكاة سيناريوهات حقيقية لكوارث تشمل تعطل منطقة سحابية كاملة أو مزود خدمة رئيسي، واختبار كفاءة التحويل التلقائي.
- بناء الأمن في الأساس: اعتماد تقنيات الثقة والأمن القائمة على مستوى الأجهزة والعتاد (Hardware-based security).
- تطبيق سياسات متسقة: ضمان أن تظل قواعد الأمن والامتثال ملازمة للبيانات وتحركاتها أينما وُجدت.
- قياس ما يهم فعليًا: التركيز على مؤشرات زمن التعافي، وسرعة إعادة التشغيل، ومدى جاهزية الفرق البشرية للاستجابة.
كلمة أخيرة تلخص بها رؤيتكم للمرحلة المقبلة؟
أود التأكيد على أن الحاجة إلى التحرك باتت ملحة؛ فالبنية التحتية المرنة لم تعد خيارًا تكنولوجيًا مطروحًا للنقاش، بل هي ضرورة استراتيجية تدعم الدفاع الوطني، والاستقرار الاقتصادي، والثقة العامة. المستقبل لن يكون لمن يسرّع التحول الرقمي فقط، بل لمن يبني أنظمته على المرونة منذ الخطوة الأولى.
نبذة عن المهندس طه خليفة:
يُعد المهندس طه خليفة أحد أبرز القادة التنفيذيين في قطاع التكنولوجيا والاتصالات وتقنية المعلومات في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، حيث يشغل منصب المدير العام لشركة “إنتل” في المنطقة، ويقود استراتيجيتها الإقليمية بما يشمل إدارة العلاقات السيادية والتجارية مع الحكومات والشركاء والعملاء، وتحقيق خطط النمو ومستهدفات الإيرادات التي تجاوزت مؤخرًا 3 مليارات دولار أمريكي.
ويمتلك خليفة مسيرة مهنية دولية ممتدة لأكثر من 28 عامًا في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات على مستوى الولايات المتحدة وأوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، تنقل خلالها بين مجالات الأجهزة والبرمجيات والخدمات، وتولى مناصب قيادية عليا في الإدارة العامة، والمبيعات والتسويق، وتطوير الأعمال، والتخطيط الاستراتيجي، وإدارة الهندسة. وخلال هذه المسيرة، قاد العديد من المبادرات الاستراتيجية المؤثرة مع الحكومات وصنّاع القرار، أبرزها مبادرة Intel World Ahead في الشرق الأوسط وأفريقيا وتركيا، كما لعب دورًا محوريًا في بناء شراكات تنفيذية مع منظومة واسعة تضم مصنّعي الأجهزة، وشركات الاتصالات، والمنظمات غير الحكومية، والوسائل الإعلامية، مستندًا إلى خلفية تقنية صلبة في بنية المنصات، ومهارات متقدمة في التواصل والتأثير في كبار المسؤولين وأعضاء مجالس الإدارة.
وحظيت جهوده بتقدير إقليمي واسع، حيث اختارته مجلة “فوربس الشرق الأوسط” لسبع سنوات متتالية ضمن قائمة أبرز 20 قياديًا تنفيذيًا إقليميًا، واختارته منصة “إيكونومي ميدل إيست” ضمن أفضل 30 قائدًا تكنولوجيًا في المنطقة، فضلًا عن قيادته لشركة “إنتل” للفوز بتقدير مؤسسة Aon Hewitt كأفضل جهة عمل في قطاعها إقليميًا. وإلى جانب تميزه في قيادة وتوجيه الفرق متعددة الثقافات والجنسيات في بيئات عمل تنافسية، ينشط خليفة في القطاع الأكاديمي عبر عضوية المجالس الاستشارية الصناعية في مؤسسات مرموقة مثل جامعة خليفة، ومعهد روتشستر للتكنولوجيا، وجامعة هيريوت وات، مدعومًا بخلفية تعليمية دولية تشمل بكالوريوس من الشرق الأوسط، وماجستير في العلوم من أوروبا، وماجستير في إدارة الأعمال من الولايات المتحدة الأمريكية.












