في مصنع بن زقر يونيليفر بمدينة جدة، لا يُنظر إلى إطلاق خط جديد لمنتجات العناية المنزلية على أنه مجرد توسعة تشغيلية، بل كجزء من تحوّل أعمق تشهده الصناعة في المملكة العربية السعودية. هذا ما يراه مهنّد رزق، المدير العام للمصنع، والذي يؤكد أن المرحلة الحالية لم تعد تدور حول “كم ننتج”، بل “كيف ننتج، ولماذا، ولمن”.
يشرح رزق أن الصناعة الوطنية تجاوزت مرحلة التركيز على البنية التحتية، لتدخل اليوم مرحلة بناء منظومات تصنيعية متقدمة قادرة على العمل بكفاءة عالية، والتكيف مع متطلبات السوق، وخدمة التصدير الإقليمي. ويضيف أن هذا التحول هو ما يمنح أي استثمار صناعي اليوم ثقله الحقيقي.
ويشير إلى أن التوسعة الأخيرة في مصنع بن زقر لا تستهدف رفع الطاقة الإنتاجية فقط، بل ترسيخ نموذج تصنيع مختلف، يعتمد على نقل المعرفة والتقنية، وتطبيق أنظمة تشغيل رقمية متقدمة، وبناء قدرات محلية قادرة على الاستمرار والتطور. “التصنيع الحديث لم يعد خط إنتاج فقط”، يقول رزق، “بل منظومة متكاملة تجمع بين التقنية والمهارة والقرار الصحيح”.
أما على مستوى المنتج، فيوضح رزق أن تطوير منتجات العناية المنزلية انطلق من فهم دقيق للسوق المحلي. فقد أُخذت في الاعتبار طبيعة الأقمشة المستخدمة في المملكة، وظروف المياه، وتوقعات المستهلك من حيث الجودة والفعالية. وفي الوقت نفسه، جرى الالتزام بالمعايير العالمية التي تسمح للمنتج بأن يكون جاهزاً للتصدير والمنافسة في الأسواق الإقليمية.
ويلفت إلى أن هذا التوازن بين الخبرة العالمية والاحتياج المحلي هو ما يمنح التصنيع في المملكة ميزة تنافسية حقيقية. فالإنتاج المحلي، بحسب رزق، لا يقتصر أثره على السوق، بل ينعكس على الاقتصاد ككل، من خلال تعزيز سلاسل الإمداد، وزيادة الاعتماد على الموردين المحليين، وتطوير الكفاءات الوطنية.
وحول سوق المنظفات السائلة، يرى رزق أن التحول نحو هذا النوع من المنتجات بات واضحاً عالمياً، والمستهلك السعودي جزء من هذا التحول. فالتوقعات اليوم أعلى من حيث الجودة وسهولة الاستخدام والكفاءة. ويؤكد أن وجود التصنيع داخل المملكة يمنح الشركة مرونة أكبر في الاستجابة لهذه التغيرات، وفي تطوير المنتجات بما يتماشى مع السوق.
ولا يغيب العنصر البشري عن هذا المشهد. إذ يشدد رزق على أن التصنيع المتقدم يعتمد بالدرجة الأولى على الكفاءات. ويشير إلى أن نسبة التوطين في مصنع بن زقر تجاوزت 50 في المئة، مع برامج تدريب مستمرة بالتعاون مع الجامعات والكليات التقنية، لبناء مسارات مهنية حقيقية في القطاع الصناعي.
أما من حيث التوقيت، فيرى رزق أن هذه الخطوة جاءت في لحظة مناسبة، مع نضوج البيئة الصناعية في المملكة، وتنامي دور الجهات الداعمة للقطاع الصناعي. فمصنع بن زقر، الذي تأسس عام 1978، شهد عبر العقود تطوراً مستمراً، واليوم يدخل مرحلة جديدة تركز على الكفاءة، والاستدامة، وتقليل الأثر البيئي.
ويكشف رزق أن الاستثمارات خلال الفترة الماضية تجاوزت 60 مليون ريال، مع خطط لمواصلة التوسع خلال المرحلة المقبلة، والتركيز على نقل التقنية ورفع كفاءة التشغيل، مع الحفاظ على جودة المنتج وسلامة المستهلك.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن ما يجري اليوم في جدة يعكس مساراً أوسع للصناعة في المملكة. مسار يقوم على بناء قيمة حقيقية، وتوطين المعرفة، وتحويل “صنع في السعودية” من شعار إلى معيار جودة وقدرة تنافسية في الأسواق الإقليمية.

















