لعقود من الزمن، اعتمدت استراتيجية الأمن الغذائي في المملكة العربية السعودية بشكل كبير على الواردات والاحتياطيات الاستراتيجية. واليوم، في ظل “رؤية المملكة 2030″، تعيد السعودية صياغة هذه المعادلة؛ إذ تستثمر المملكة في البنية التحتية، والقدرات التصنيعية، والتقنيات، والشراكات اللازمة لبناء منظومة غذائية أكثر مرونة وتنافسية على المستوى العالمي.
وتعكس الإحصائيات هذا التحول؛ حيث تحتضن المملكة العربية السعودية قاعدة قوية للتصنيع الغذائي تضم أكثر من 1,900 مصنع للأغذية، باستثمارات إجمالية تتجاوز 88 مليار ريال سعودي، وتستهدف جذب استثمارات إضافية بقيمة 78 مليار ريال سعودي بحلول عام 2035.
“صُنع في السعودية”: رافدٌ للنمو الاقتصادي وتعزيز المحتوى المحلي
كجزء من رؤيتها، تمضي المملكة حالياً في تحويل المواد الخام المستوردة إلى منتجات نهائية سعودية الصنع. في هذا الصدد؛ لا يقتصر برنامج “صُنع في السعودية” على كونه مجرد شعار ترويجي للمملكة، بل يمثل ركيزة أساسية لنمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي والمرونة الوطنية، حيث تعمل المملكة من خلال البرنامج على توسيع القدرة التصنيعية المحلية، وتشجيع المستهلكين والشركات على اختيار المنتجات المُصنّعة محلياً، مع تعزيز الحضور الدولي للعلامات التجارية الوطنية، والتي تتواجد اليوم في أسواق 180 دولة حول العالم.
وتمتد طموحات المملكة في مجال التوطين إلى ما هو أبعد من مجرد الإنتاج لتشمل توريد المواد الخام، ونقل التكنولوجيا، وتطوير المهارات، وخلق فرص عمل متخصصة للكفاءات السعودية. وتماشياً مع هذا النهج، تشجع المملكة دمج تقنيات التصنيع مثل الأتمتة، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة المعالجة الذكية، والإنتاج القائم على البيانات، بهدف تحسين الإنتاجية والجودة والكفاءة التشغيلية.
ويكتسب تعزيز البنية التحتية الغذائية أهميةً استراتيجية للدول التي تعتمد على الواردات الغذائية، لاسيما في ظل ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتحديات نقص الغذاء، والتأثيرات الخارجية. وتمضي المملكة قدماً نحو منظومة غذائية محلية متكاملة، من خلال تسريع وتيرة الاستثمارات في مجالات معالجة الأغذية، والتعبئة والتغليف، والبنية التحتية لسلاسل التبريد، والخدمات اللوجستية، والتخزين.
كما يعتمد هذا التحول على الشركات المصنِّعة السعودية، والشركات الصغيرة والمتوسطة، والعلامات التجارية الغذائية الناشئة من أجل الابتكار، وتنويع روافد الاقتصاد، وتوسيع الصادرات غير النفطية. وفي الوقت ذاته، تكتسب الشراكات الدولية أهميةً كبرى في استقطاب الخبرات العالمية والتقنيات المتقدمة إلى المملكة، فضلاً عن تمكين نقل المعرفة وبناء القدرات المحلية. وتتأصل الاستدامة في كل مرحلة من مراحل هذا التحول؛ إذ تمثل كفاءة استخدام الطاقة، والإدارة المسؤولة للمياه، والتعبئة والتغليف المبتكر أدواتٍ أساسية تدعم المصنِّعين في تعزيز الأمن الغذائي، كما تسهم في تحقيق المستهدفات البيئية الأوسع للمملكة.
جدة تقود طموحات المملكة نحو مستقبل غذائي واعد
تبرز مدينة جدة كمركزٍ رئيسي لجهود المملكة الرامية إلى تأسيس قطاع غذائي مرن. وبفضل “التجمع الغذائي في جدة”، أكبر تجمع غذائي متخصص في العالم، إلى جانب بنيتها التحتية التجارية الكبرى، تُعد المدينة بوابة استراتيجية ولوجستية وتجارية تربط بين مصنعي الأغذية السعوديين والأسواق الإقليمية والدولية.
وقد حقق هذا التجمع، الذي يمتد على مساحة 11 مليون متر مربع، رقماً قياسياً في موسوعة “غينيس” للأرقام القياسية كأكبر تجمع غذائي في العالم. وأعلنت الهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية (مدن) عن خطط طموحة للتجمع، تستهدف استثمارات تصل إلى 20 مليار ريال سعودي وتوفير 43,000 فرصة عمل بحلول عام 2035. ويهدف التجمع إلى تحفيز النمو الاقتصادي، وتعزيز الأمن الغذائي، ودعم الصادرات الوطنية. ومن المتوقع خلال العقود القادمة أن يساهم التجمع بـ 8 مليارات ريال سعودي في الصادرات الوطنية وأن يضيف 7 مليارات ريال سعودي إلى الناتج المحلي الإجمالي. وسيعمل التجمع على خفض التكاليف التشغيلية بنسبة تتراوح بين 5 إلى 12 بالمئة، مما سيعزز بشكل أكبر الأمن الغذائي الوطني والاكتفاء الذاتي من السلع الأساسية، وذلك من خلال دمج الخدمات وتحسين سلاسل الإمداد.
معرض سعودي فود وسعودي فود للتصنيع 2026
يغطي “معرض سعودي فود 2026″ (Saudifood Show 2026) و”معرض سعودي فود للتصنيع 2026” (Saudifood Manufacturing 2026)، اللذان يقامان بشكلٍ متزامن في مدينة جدة، سلسلة القيمة بأكملها؛ بدءاً من التصنيع والمعالجة والتعبئة، وصولاً إلى التوريد والتوزيع والتجزئة وخدمات الطعام. وتربط هذه المنصة المتكاملة بين المصنعين، ومزودي التكنولوجيا، والمستثمرين، والمشترين، والموزعين، وصناع السياسات لاستكشاف الفرص المتاحة في قطاع الأغذية سريع النمو في المملكة.
ويسهم الحَدَثان في تسريع وتيرة التوطين من خلال استعراض التقنيات المتقدمة، والخبرات التصنيعية، والفرص الاستثمارية التي تعزز قدرات الإنتاج المحلي. كما يوفران منصة لعقد الشراكات الاستراتيجية، والاتفاقيات التجارية، وتبادل المعرفة في الجانبين الصناعي والتجاري لقطاع صناعة الأغذية.
مع سعي المملكة العربية السعودية لتحقيق طموحها في أن تصبح مركزاً إقليمياً رائداً في الإنتاج الغذائي والابتكار والتجارة، يُعد التميز التصنيعي مفتاحاً لهدفها طويل الأمد. ولا يقتصر التحول نحو منظومة غذائية أقوى تحت مظلة “صُنع في السعودية” على زيادة الإنتاج المحلي فحسب، بل يمتد أيضاً إلى بناء القدرات، والبنية التحتية، والشراكات، والتقنيات اللازمة لجعل قطاع الأغذية في المملكة أكثر مرونةً وتنافسيةً وترابطاً على المستوى العالمي.














