- التدريب الذي يقوم على نقل المعلومات ينتهي أثره عند باب القاعة، أما الذي يقوم على تغيير السلوك فأثره باقٍ لسنوات قادمة
- التقنية تغير الأدوات وما يغير الناس فهو الأهداف والعادات
- نعمل مع غرفة جدة في برامج لتطوير القيادات، ونرى في هذه الشراكة نموذجًا عمليًا قابلًا للتوسع لخدمة مجتمع الأعمال
- قاعدتي في بناء القدرات: التقنية تنقل المعرفة، والإنسان يصنع التغيير
- أقترح إنشاء أكاديمية قيادية دائمة تحت مظلة غرفة جدة تُعِدّ قيادات المنشآت عبر مسارات متدرجة، وتقيس أثرها بالنتائج في بيئة العمل
- فجوة المهارات ليست أزمة تعليم، بل مسؤولية مشتركة والحل أن يبني التعليم الأساس بينما يطور سوق العمل المهارات المتجددة
- المملكة أصبحت وجهة جاذبة للعقول والكفاءات من مختلف دول العالم
- ما ينقصنا اليوم ليس وضوح الأدوار، بل آليات التقاء دورية وملزمة تجمع التعليم وقطاع الأعمال والجهات المهنية لتشخيص الفجوات وتصميم البرامج وقياس نتائجها
- الإنتاجية في جوهرها ليست معادلة آلات وأنظمة، بل معادلة إنسان
- حين يحقق التدريب عائدًا ماليًا أو تشغيليًا موثقًا، يتحول من بند مصروفات إلى بند استثمار
- الإنسان يتغير بالعلاقة قبل أن يتغير بالمعلومة
- الغرف التجارية تملك ما لا تملكه أي جهة أخرى؛ فهي الأقرب إلى المنشآت، والأقدر على فهم احتياجاتها، والأكثر ثقة لدى مجتمع الأعمال
- إذا أرادت أي مؤسسة رفع إنتاجيتها، فأقصر الطرق يبدأ بتنمية إنتاجية قياداتها الشخصية
- القائد الحقيقي لا يُقاس بما أنجز في حضوره، بل بما تستمر مؤسسته في إنجازه بعده
- بناء الاتجاهات والعادات الإيجابية يصنع الفارق القيادي
يشكل رأس المال البشري اليوم أحد أهم محركات القيمة المضافة في اقتصاد المعرفة، انطلاقًا من دوره في تعزيز الإنتاجية، وتنمية القيادات، وتحفيز الابتكار، ورفع تنافسية المؤسسات. وفي هذا السياق، يتجاوز النقاش تطوير التعليم والتدريب إلى بناء منظومة متكاملة تتقاسم فيها مؤسسات التعليم، وقطاع الأعمال، والجهات المهنية مسؤولية إعداد الكفاءات، وقياس أثر الاستثمار في الإنسان على الأداء الاقتصادي والمؤسسي.
في هذا الحوار، تستضيف مجلة التجارة الدكتور مازن عبدالرزاق بليلة، الذي تمتد خبرته بين العمل الأكاديمي والتشريعي والإداري، ليقدم رؤية تربط بين رأس المال البشري والنمو الاقتصادي، وتناقش مستقبل المهارات، والقيادة، والإنتاجية، والذكاء الاصطناعي، ودور الشراكات المؤسسية في بناء كفاءات قادرة على مواكبة متطلبات الاقتصاد الحديث.
ويتناول الحوار قضايا تمتد من فلسفة التعليم وبناء الاتجاهات، إلى قياس أثر التدريب، وتعزيز ثقافة التعلم المستمر، وتطوير القيادات، وتفعيل التكامل بين مؤسسات التعليم وقطاع الأعمال والغرف التجارية، بوصفها ركائز تسهم في بناء رأس مال بشري أكثر جاهزية، وتعزز تنافسية الاقتصاد السعودي على المدى الطويل.
وفيما يلي نص الحوار:
رأس المال البشري… من التعليم إلى الاقتصاد
تتجه الاقتصادات المتقدمة إلى اعتبار رأس المال البشري أحد أهم مصادر القيمة المضافة. كيف تقرأون هذا التحول، وما انعكاساته على الاقتصاد السعودي؟
هذا التحول ليس موضة فكرية عابرة، بل هو نتيجة منطقية لتغيّر طبيعة الاقتصاد ذاته. في الاقتصادات القديمة كانت القيمة تُستخرج من باطن الأرض أو من خطوط الإنتاج، أما اليوم فالقيمة تُصنع في عقول الناس في قدرتهم على الابتكار، واتخاذ القرار، وقيادة التغيير. ولذلك أصبحت الدول تتنافس على الكفاءات كما كانت تتنافس على الموارد الطبيعية.
أما انعكاس ذلك على الاقتصاد السعودي فهو واضح في جوهر رؤية المملكة 2030، التي جعلت الإنسان محورها الأول قبل أي مستهدف اقتصادي. فبرنامج تنمية القدرات البشرية ليس برنامجًا تعليميًا فحسب، بل هو رهان استراتيجي على أن تنويع الاقتصاد لن يتحقق إلا بمواطن منتج، مبادر، وقادر على المنافسة عالميًا. وأستطيع القول من واقع تجربتي الممتدة لعقود في تنمية القيادات أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الوحيد الذي لا تنخفض قيمته مع الزمن، بل تتضاعف كلما أُحسن توظيفه.
لم تعد جودة المنظومات التعليمية تقاس فقط بمخرجاتها الأكاديمية، بل بقدرتها على دعم الإنتاجية والابتكار. ما المؤشرات التي ينبغي أن تحكم تقييمها في المرحلة المقبلة؟
أقترح أن ننتقل من مؤشرات «المدخلات» إلى مؤشرات «الأثر». فعدد الخريجين وعدد الساعات التدريبية مؤشرات مدخلات، أما المؤشرات الحقيقية فهي: نسبة التوظيف في التخصص خلال أشهر من التخرج، وسرعة اندماج الخريج في بيئة العمل وإنتاجيته في سنته الأولى، ومعدل ما يضيفه من مبادرات وحلول، ثم رضا أصحاب العمل عن جاهزية الكفاءات.
وهناك مؤشر أعمق أؤمن به من واقع ممارستي: قابلية التعلم المستمر. فالمنظومة التعليمية الناجحة ليست التي تخرّج شخصًا «يعرف»، بل شخصًا «يستطيع أن يتعلم» طوال حياته المهنية. المعرفة اليوم تتقادم بسرعة، لكن مهارة التعلم لا تتقادم أبدًا، وهي الفيصل بين اقتصاد يواكب واقتصاد يلحق.
في ظل تنامي المنافسة العالمية على الكفاءات، أين تقف المملكة اليوم، وما الأولويات التي تستحق التركيز خلال السنوات القادمة؟
المملكة اليوم في موقع لم تكن فيه من قبل: فهي لم تعد مصدّرًا للكفاءات الباحثة عن الفرص في الخارج، بل أصبحت وجهة جاذبة للعقول من مختلف دول العالم، بفضل حجم المشاريع الكبرى وجودة الحياة المتنامية والطموح الوطني الواضح. وهذا بحد ذاته تحول تاريخي.
أما الأولويات القادمة فأختصرها في ثلاث: أولًا، تعميق المهارات القيادية والإدارية في الطبقة الوسطى من القيادات، لأنها الحلقة التي تترجم الاستراتيجيات إلى نتائج. ثانيًا، بناء جسور أكثر صلابة بين التعليم وسوق العمل عبر شراكات ملزمة لا بروتوكولات شكلية. ثالثًا، إتقان توظيف الذكاء الاصطناعي كمضاعف للإنتاجية الوطنية، لا كمستهلك تقني فحسب. من يملك هذه الثلاث يملك تنافسية العقد القادم.
بناء الكفاءات… بين التعليم وسوق العمل
كثيرًا ما تُطرح فجوة المهارات باعتبارها مسؤولية المؤسسات التعليمية، فيما يرى آخرون أن سوق العمل نفسه يتغير بوتيرة أسرع من قدرة التعليم على مواكبته. كيف تنظرون إلى هذه العلاقة؟
كلا الطرحين صحيح جزئيًا، والخطأ في افتراض أن أحدهما وحده يتحمل المسؤولية. الحقيقة أن فجوة المهارات ظاهرة بنيوية في كل اقتصادات العالم، لأن دورة تطوير المناهج تُقاس بالسنوات بينما دورة تغيّر الوظائف تُقاس بالأشهر. ولن يستطيع أي نظام تعليمي – مهما بلغت كفاءته – أن يلاحق السوق لحظة بلحظة.
الحل ليس في تحميل طرف واحد المسؤولية، بل في إعادة توزيع الأدوار: التعليم يبني الأساس – التفكير النقدي، والتواصل، وأخلاقيات العمل، ومهارة التعلم – وسوق العمل يتولى صقل المهارات التخصصية المتجددة عبر التدريب المستمر داخل المؤسسات. وبينهما تقف مؤسسات التدريب الاحترافية كجسر يترجم احتياجات السوق إلى برامج سريعة الاستجابة. حين يعمل الثلاثة كمنظومة واحدة، تتحول الفجوة من مشكلة مزمنة إلى مسافة صحية تحفز التطور.
إعادة بناء منظومة إعداد الكفاءات تطرح أسئلة تتجاوز تطوير المناهج إلى مراجعة فلسفة التعليم نفسها. ما أبرز الجوانب التي تستحق إعادة النظر؟
أولها فلسفة التقييم: ما زلنا نكافئ الحفظ والاسترجاع، بينما يكافئ سوق العمل حل المشكلات واتخاذ القرار تحت الضغط. وثانيها العلاقة بين المعلم والمتعلم: النموذج التلقيني انتهى زمنه، والمستقبل لنموذج الميسّر والمدرّب الذي يوجّه المتعلم ليكتشف ويجرب ويخطئ ويتعلم.
وثالثها – وهو الأهم في قناعتي – أن نعيد الاعتبار لبناء الاتجاهات والعادات لا المعلومات فقط. فمن خبرتي الطويلة في تنمية القيادات تعلمت أن الفارق بين الإنسان العادي والإنسان المنجز ليس في كمية ما يعرف، بل في اتجاهاته الذهنية: وضوح أهدافه، وانضباطه الذاتي، وثقته بقدرته على النمو. منظومة تعليمية تبني هذه الاتجاهات منذ الصغر ستنتج جيلًا لا يخشى أي تحول اقتصادي أو تقني.
ما الأدوار التي ينبغي أن تتقاسمها الجامعات، والمعاهد، والقطاع الخاص في إعداد الكفاءات الوطنية؟
أراها ثلاثية متكاملة لكل ضلع فيها اختصاص واضح: الجامعات مسؤولة عن بناء العمق المعرفي والتفكير العلمي والبحثي — وهذا دور لا يعوضه أحد. والمعاهد ومؤسسات التدريب المتخصصة مسؤولة عن المهارات التطبيقية وسرعة الاستجابة لاحتياجات السوق، فهي الأقدر على تصميم برامج مركزة تُحدث أثرًا خلال أسابيع لا سنوات. أما القطاع الخاص فدوره مزدوج: أن يكون شريكًا في تصميم البرامج بوصفه المستفيد النهائي، وأن يكون بيئة تعلم بحد ذاته عبر التدريب على رأس العمل والتوجيه والإحلال الوظيفي المخطط.
وقد لمست بنفسي ثمرة هذا التكامل حين نعقد شراكات تجمع الجامعات بمؤسسات التدريب الاحترافي، فيتخرج المشارك وقد جمع بين عمق المعرفة الأكاديمية وعملية التطبيق الميداني. هذا النموذج الثلاثي هو ما تحتاجه المملكة على نطاق واسع.
التدريب… صناعة للأثر
يشهد قطاع التدريب توسعًا كبيرًا، بينما يظل أثره متفاوتًا بين مؤسسة وأخرى. ما العوامل التي تصنع هذا الفارق؟
الفارق الجوهري بين تدريب يُحدث أثرًا وتدريب يمر مرور الكرام يكمن في فلسفة التصميم قبل أي شيء آخر. التدريب الذي يقوم على «نقل المعلومات» ينتهي أثره عند باب القاعة، أما التدريب الذي يقوم على «تغيير السلوك» فيبقى أثره سنوات. ومن واقع عملي في هذا القطاع منذ ما يقارب عقدين، أستطيع تحديد أربعة عوامل تصنع الفارق: أولًا، البناء على التكرار المتباعد والتطبيق العملي بدل الجرعة المكثفة لمرة واحدة. ثانيًا، ربط البرنامج بأهداف شخصية ومؤسسية مكتوبة وقابلة للقياس يلتزم بها المتدرب. ثالثًا، المتابعة بعد البرنامج، فالسلوك الجديد يحتاج أسابيع من الممارسة ليتحول إلى عادة. رابعًا، إشراك القيادة المباشرة للمتدرب في العملية، لأن أي مهارة جديدة تموت إذا عادت إلى بيئة لا تدعمها.
المؤسسات التدريبية التي تتقن هذه العوامل الأربعة تصنع أثرًا يُقاس بالأرقام، ومن يكتفي بالعروض التقديمية الجميلة يصنع انطباعًا يتبخر خلال أيام.
عند الحديث عن العائد على الاستثمار في التدريب، ما المعايير التي ترون أنها تعكس أثره الحقيقي في أداء المؤسسات؟
أؤمن بقاعدة بسيطة: ما لا يُقاس لا يُدار، وما لا يُدار لا يتحسن. ولذلك نصمم برامجنا منذ اليوم الأول على أساس أهداف قابلة للقياس يحددها المشارك ومؤسسته معًا. أما المعايير التي تعكس الأثر الحقيقي فتتدرج في أربعة مستويات: رضا المشارك وهو أضعفها، ثم اكتساب المعرفة والمهارة، ثم تغيّر السلوك الفعلي في بيئة العمل – وهنا يبدأ الأثر الحقيقي – وأخيرًا النتائج المؤسسية الملموسة: نمو الإنتاجية، وانخفاض معدل دوران الموظفين، وتحسن جودة القرارات، وتحقق الأهداف التي وُضعت قبل البرنامج.
وفي تجربتنا، حين يخرج المشارك من البرنامج وقد حقق أهدافًا مكتوبة بعائد مالي أو تشغيلي موثق يتجاوز تكلفة البرنامج أضعافًا، يتحول التدريب في نظر الإدارة من «بند مصروفات» إلى «بند استثمار» – وهذه هي النقلة التي يحتاجها القطاع بأكمله.
ما أكثر الممارسات التي تحد من فاعلية التدريب داخل بيئات العمل، رغم حجم الإنفاق عليها؟
أبرزها خمس ممارسات أراها تتكرر: أولًا، اختيار البرامج بناءً على الموضة أو العناوين البراقة لا على تحليل فعلي للاحتياج. ثانيًا، إرسال الموظف للتدريب دون أن يعرف لماذا أُرسل، ودون أن يُطلب منه أي التزام بعده. ثالثًا، غياب القيادة المباشرة عن المعادلة، فالمدير الذي لا يسأل موظفه عما تعلمه ولا يتيح له تطبيقه يقتل أثر التدريب بصمته. رابعًا، حصر التدريب في فعاليات موسمية بدل جعله عملية مستمرة مرتبطة بمسار الموظف. خامسًا، قياس النجاح بعدد المتدربين والساعات بدل قياسه بالنتائج.
والمفارقة أن علاج هذه الممارسات لا يتطلب زيادة الإنفاق، بل إعادة توجيهه. مؤسسة تنفق نصف ميزانيتها التدريبية بذكاء – باحتياج مدروس والتزام قيادي ومتابعة – تحقق أضعاف ما تحققه مؤسسة تنفق الميزانية كاملة بعشوائية.
أين يبدأ التحول من التدريب بوصفه نشاطًا إلى التدريب بوصفه أداة للتطوير المؤسسي؟
يبدأ من طاولة القيادة العليا، لا من إدارة الموارد البشرية. فحين يكون التدريب «نشاطًا» تجده بندًا في خطة سنوية يُنفذ ويُؤرشف، أما حين يكون «أداة تطوير» فتجده حاضرًا في النقاش الاستراتيجي: ما القدرات التي نحتاجها لتحقيق أهدافنا بعد ثلاث سنوات؟ وأين الفجوة بين قدراتنا اليوم وتلك الأهداف؟ وكيف نغلقها؟
التحول يكتمل حين تتوفر ثلاثة شروط: أن يرتبط كل برنامج تدريبي بهدف استراتيجي محدد، وأن يُحاسَب القادة على تطوير فرقهم كما يُحاسبون على نتائجهم التشغيلية، وأن تُبنى ثقافة داخلية ترى التعلم جزءًا من العمل لا انقطاعًا عنه. عندها يصبح التدريب استثمارًا تراكميًا يبني ما أسميه «رأس المال القيادي» للمؤسسة — وهو أثمن أصولها غير الملموسة على الإطلاق.
القيادة والإنتاجية في اقتصاد المعرفة
الإنتاجية أصبحت معيارًا رئيسًا لقياس كفاءة الاقتصادات والمؤسسات. أين تضعون رأس المال البشري في هذه المعادلة؟
في قلبها تمامًا. فالإنتاجية في جوهرها ليست معادلة آلات وأنظمة، بل معادلة إنسان: ماذا ينجز الفرد الواحد في وحدة الزمن، وبأي جودة؟ وكل ما عدا ذلك — من تقنية وعمليات وتنظيم — مجرد مضاعفات لقدرة هذا الإنسان أو معطلات لها.
وقد علمتني سنوات طويلة في تنمية الإنتاجية الشخصية للقيادات أن الفارق بين الموظف العادي والموظف عالي الإنتاجية نادرًا ما يكون في الذكاء أو ساعات العمل، بل في ثلاثة أشياء: وضوح الأهداف والأولويات، وإدارة الوقت والتركيز في عصر المشتتات، والاتجاه الذهني الإيجابي تجاه الإنجاز. وهذه الثلاثة كلها قابلة للتنمية والتدريب. ولذلك أقول دائمًا: إذا أرادت أي مؤسسة أن ترفع إنتاجيتها بنسبة ملموسة خلال عام واحد، فأقصر الطرق ليس شراء تقنية جديدة، بل تنمية إنتاجية قياداتها الشخصية أولًا، لأن إنتاجية القائد تتضاعف تلقائيًا في كل فريقه.
ما السمات التي تميز القيادات القادرة على إدارة التحولات الاقتصادية والتقنية؟
أختصرها في خمس سمات لمستها في القيادات الناجحة التي عملت معها عبر السنين: أولًا، وضوح الرؤية مع مرونة الوسيلة — يعرف أين يتجه لكنه لا يتعصب لطريق واحد. ثانيًا، الشجاعة في اتخاذ القرار مع التواضع في مراجعته؛ فقائد التحول يتخذ قرارات كبرى بمعلومات ناقصة ويملك شجاعة تصحيحها. ثالثًا، القدرة على تحفيز الآخرين وبث الطمأنينة في أوقات الغموض، لأن الفرق لا تتبع الخطط بل تتبع القادة الذين يثقون بهم. رابعًا، التعلم المستمر؛ فالقائد الذي توقف عن التعلم توقف عن القيادة وإن بقي في منصبه. خامسًا، بناء قادة آخرين — وهذه في تقديري السمة العليا، فالقائد الحقيقي لا يُقاس بما أنجز في حضوره، بل بما تستمر مؤسسته في إنجازه بعده.
وأضيف أن القيادة الناضجة تتدرج: تبدأ بقيادة الذات وإنتاجيتها، ثم قيادة الآخرين وتحفيزهم، ثم القيادة الاستراتيجية للمؤسسة بأكملها. ومن يقفز إلى القمة دون بناء القاعدة يسقط عند أول تحول.
إلى أي مدى يرتبط نجاح المؤسسات بثقافة التعلم المستمر أكثر من ارتباطه بالخبرات المتراكمة؟
الخبرة المتراكمة رصيد ثمين، لكنها في زمن التحولات السريعة قد تتحول من أصل إلى عبء إذا لم تقترن بالتعلم المستمر. فالخبرة تجيب عن سؤال: «كيف نجحنا في الماضي؟»، بينما يجيب التعلم المستمر عن سؤال: «كيف سننجح في المستقبل؟» — والسؤالان مختلفان جذريًا حين تتغير قواعد اللعبة.
رأيت مؤسسات عريقة تتعثر لأن خبرتها الطويلة تحولت إلى قناعة بأنها «تعرف السوق»، ورأيت مؤسسات فتية تتفوق لأن ثقافتها تقوم على التجربة والقياس والتعديل السريع. المعادلة المثلى ليست إحداهما بديلًا عن الأخرى، بل خبرة متراكمة تُدار بعقلية متعلمة: نحترم دروس الماضي دون أن نتقيد بها، ونختبر افتراضاتنا باستمرار. والمؤسسة التي تبني هذه الثقافة تصبح عصية على التقادم مهما تسارعت التحولات من حولها.
الذكاء الاصطناعي… إعادة تشكيل المهارات
يعيد الذكاء الاصطناعي رسم ملامح الوظائف وأساليب التعلم. ما أبرز التحولات التي تتوقعونها خلال السنوات المقبلة؟
أتوقع ثلاثة تحولات كبرى: الأول، انتقال الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى زميل عمل يومي؛ فالموظف الذي يتقن توظيفه سينجز في ساعات ما كان يستغرق أيامًا، وستتسع الفجوة بين من يتقنه ومن يتجاهله حتى تصبح فجوة وظيفية حقيقية. الثاني، إعادة تعريف الوظائف نفسها؛ لن تختفي المهن بقدر ما ستتغير مكوناتها – الأعمال الروتينية ستُفوَّض للتقنية، ويتفرغ الإنسان لما يتطلب حكمًا وإبداعًا وعلاقات. الثالث، ثورة في التعلم ذاته عبر التخصيص الفردي: مسارات تعليمية تتكيف مع مستوى كل متعلم وسرعته وأسلوبه.
وأنا لا أتحدث هنا من موقع المراقب؛ فقد حرصت بنفسي على تدريب فريق عملي – فردًا فردًا – على توظيف الذكاء الاصطناعي في مهامه اليومية، من المالية إلى التسويق إلى خدمة المتدربين. وخلاصة تجربتي: العائد يفوق كل توقع، بشرط واحد هو أن يقود التبني قناعةُ القيادة العليا لا حماس التقنيين وحدهم.
ما المهارات التي ستزداد قيمتها كلما تقدمت التقنيات الذكية؟
كلما ازدادت الآلة ذكاءً، ازدادت قيمة ما لا تستطيع الآلة فعله. وأضع في المقدمة: التفكير النقدي والحكم السليم — فالذكاء الاصطناعي يقدم إجابات كثيرة، لكن تمييز الصحيح من المضلل والمناسب من غير المناسب يبقى مهارة إنسانية خالصة. ثم الذكاء العاطفي والقدرة على بناء الثقة وقيادة الفرق وإدارة العلاقات، فهذه لغة لا تجيدها الخوارزميات. ثم طرح الأسئلة الصحيحة؛ ففي عصرٍ أصبحت فيه الإجابات سلعة متاحة، صار السؤال الذكي هو الميزة النادرة. وأضيف: الإبداع والقدرة على الربط بين المجالات، والمرونة والتعلم السريع، ثم مهارة توجيه الذكاء الاصطناعي نفسه والتعامل معه كشريك عمل.
وأما المهارة الجامعة لكل ما سبق فهي القيادة. فكل التقنيات تحتاج في نهاية المطاف إلى إنسان يحدد الوجهة ويلهم الفريق ويتحمل مسؤولية القرار — وهذا الدور لن تنافس الآلة عليه في أي مدى منظور.
ما التوازن الذي ينبغي تحقيقه بين توظيف التقنية والحفاظ على البعد الإنساني في التعليم وبناء القدرات؟
قاعدتي في ذلك: التقنية لنقل المعرفة، والإنسان لتغيير الإنسان. فالمحتوى والمعلومات والتمارين يمكن أن تقدمها المنصات الرقمية بكفاءة عالية وتكلفة أقل ووصول أوسع – ونحن أنفسنا نستثمر في المنصات الرقمية لهذا الغرض. لكن جوهر بناء القدرات ليس نقل المعرفة، بل تغيير الاتجاهات والسلوك، وهذا يحتاج إلى ميسّر إنساني: يستمع، ويتحدى، ويشجع، ويحاسب بمحبة، ويقرأ ما بين السطور.
أنجح النماذج التي جربناها هي النماذج المدمجة: منصة رقمية تحمل المحتوى والمتابعة والقياس، وجلسات إنسانية – فردية أو جماعية – تصنع الالتزام والتحول السلوكي. وأحذر من طرفي النقيض: من يرفض التقنية سيخرج من المنافسة، ومن يظن أن التقنية وحدها تبني إنسانًا سيكتشف أنه بنى مستودع معلومات لا شخصية قيادية. الإنسان يتغير بالعلاقة قبل أن يتغير بالمعلومة.
الشراكة في بناء رأس المال البشري
تنمية الكفاءات أصبحت مسؤولية مشتركة بين مؤسسات التعليم، وقطاع الأعمال، والجهات المهنية. كيف تقرأون توزيع هذه الأدوار؟
أقرأها كمنظومة بيئية متكاملة لا كأدوار متجاورة. مؤسسات التعليم تبني الأساس المعرفي والقيمي، وقطاع الأعمال يحدد الاحتياج ويوفر ميدان التطبيق ويتحمل مسؤولية التطوير المستمر لموظفيه، والجهات المهنية – من غرف تجارية وهيئات تدريب وجهات اعتماد – تلعب دور المنظم والموصل: تضبط الجودة، وتعتمد البرامج، وتجمع الأطراف حول احتياجات حقيقية.
والذي ينقصنا أحيانًا ليس وضوح الأدوار بل آليات الالتقاء الدورية الملزمة: مجالس مهارات قطاعية تجمع الأطراف الثلاثة حول طاولة واحدة بشكل منتظم، تُشخّص فيها الفجوات وتُصمم البرامج وتُقاس النتائج. وأرى في الهيئات الوطنية القائمة اليوم – من هيئة تقويم التعليم إلى المؤسسة العامة للتدريب التقني وصندوق تنمية الموارد البشرية – بنية تحتية ممتازة لهذا التكامل، والمطلوب هو تفعيل أعمق لمشاركة القطاع الخاص فيها بوصفه شريك تصميم لا مستفيدًا نهائيًا فقط.
ما الفرص التي ترونها واعدة في تعزيز التعاون بين الغرف التجارية ومؤسسات التدريب لخدمة احتياجات الاقتصاد؟
الغرف التجارية تملك ما لا تملكه أي جهة أخرى: القرب المباشر من آلاف المنشآت ومعرفة احتياجاتها الفعلية، والثقة لدى مجتمع الأعمال. ومؤسسات التدريب الاحترافية تملك المنهجيات والبرامج والخبرة التنفيذية. والجمع بينهما يفتح فرصًا واعدة أذكر منها: برامج قيادية وإدارية مشتركة تصمم خصيصًا لاحتياجات منشآت المنطقة، ومسارات لتأهيل قيادات المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي غالبًا لا تصلها برامج التطوير الكبرى، ومراصد مهارات دورية ترصد فجوات كل قطاع وتوجه الاستثمار التدريبي نحوها، وبرامج لتأهيل الجيل الثاني في الشركات العائلية لضمان استدامتها.
ويسعدني أن أشير إلى أن تجربتنا مع غرفة جدة تحديدًا تجسد هذا التعاون عمليًا، إذ نعمل معًا في برامج تطوير قيادي نعتز بها، ونرى فيها نموذجًا قابلًا للتوسع يخدم مجتمع الأعمال في المنطقة بأكملها.
انطلاقًا من اللقاء الأخير مع غرفة جدة، ما المبادرات التي يمكن أن تحقق أثرًا مستدامًا في تطوير الكفاءات الوطنية ودعم قطاع الأعمال؟
أقترح خمس مبادرات أرى أنها قابلة للتنفيذ وذات أثر تراكمي: أولًا، أكاديمية قيادية دائمة تحت مظلة الغرفة تقدم مسارات تطوير متدرجة لقيادات المنشآت — من الإنتاجية الشخصية إلى القيادة الاستراتيجية — ببرامج ممتدة تقيس أثرها بالنتائج لا بالحضور. ثانيًا، برنامج وطني لتأهيل رواد الأعمال والشباب المقبلين على سوق العمل على المهارات المالية والإدارية الأساسية، فكثير من تعثر المشاريع الناشئة سببه فجوة في هذه الأساسيات لا في الفكرة. ثالثًا، مبادرة لتمكين المنشآت من توظيف الذكاء الاصطناعي في رفع إنتاجيتها، ببرامج تطبيقية عملية لا نظرية. رابعًا، برنامج استدامة الشركات العائلية وتأهيل جيلها القادم، وهو ملف بالغ الأهمية لاقتصاد جدة خصوصًا. خامسًا، جائزة سنوية للتميز في تنمية رأس المال البشري تحفز المنشآت على الاستثمار في موظفيها وتنشر أفضل الممارسات.
وأؤكد استعدادنا الكامل في هذه المبادرات وغيرها أن نكون شريكًا عمليًا للغرفة، تصميمًا وتنفيذًا وقياسًا للأثر.
رؤية للمستقبل
إذا كان بناء رأس المال البشري مشروعًا وطنيًا طويل الأمد، فما الأولويات التي ينبغي أن تشكل ملامحه خلال العقد المقبل؟
أرى خمس أولويات: أولًا، جعل تنمية القيادات صناعة وطنية استراتيجية، فكل مستهدفات الرؤية تمر عبر قادة قادرين على التنفيذ، والحاجة إلى القيادات ستتضاعف مع تضاعف المشاريع. ثانيًا، ترسيخ ثقافة التعلم مدى الحياة كسلوك مجتمعي، بحيث يصبح التطوير الذاتي المستمر جزءًا من هوية المواطن المهنية لا حدثًا استثنائيًا. ثالثًا، الإتقان الوطني للذكاء الاصطناعي بوصفه مهارة أساسية كالقراءة والكتابة، من المدرسة إلى قمة الهرم الإداري. رابعًا، تمكين المنشآت الصغيرة والمتوسطة من الوصول إلى تطوير قدرات عالي الجودة، فهي مشغّل النسبة الأكبر من القوى العاملة وأقلها حظًا من الاستثمار التدريبي. خامسًا، بناء منظومة وطنية لقياس أثر الاستثمار في رأس المال البشري، لأن ما يُقاس يتحسن.
وإذا اختصرت العقد القادم في جملة واحدة قلت: انتقلنا في العقد الماضي من التعليم إلى التدريب، وعلينا في العقد القادم أن ننتقل من التدريب إلى الأثر.
ما القضية التي ترون أنها لم تحظَ بالنقاش الكافي في ملف التعليم وتنمية القدرات البشرية؟
قضية بناء الاتجاهات والعادات – أو ما يمكن تسميته «البنية غير المعرفية» للإنسان. ننقاش كثيرًا المناهج والمهارات والتقنيات، ونادرًا ما نناقش السؤال الأعمق: كيف نبني إنسانًا واضح الأهداف، منضبطًا ذاتيًا، مثابرًا، واثقًا بقدرته على النمو؟ مع أن البحوث والخبرة العملية تؤكدان أن هذه الصفات تتنبأ بالنجاح المهني والحياتي أكثر مما تتنبأ به الدرجات الأكاديمية.
عملت مع آلاف القيادات والموظفين عبر مسيرتي، وأشهد أن الفجوة الأكثر كلفة ليست فجوة معرفية بل فجوة اتجاهات: أشخاص يملكون المؤهلات ولا يملكون وضوح الهدف أو عادة الإنجاز. والخبر السار أن الاتجاهات والعادات قابلة للبناء بمنهجية علمية تقوم على تحديد الأهداف والتكرار والمتابعة والمحاسبة. أتمنى أن يأخذ هذا الملف موقعه في النقاش الوطني، من رياض الأطفال إلى برامج تطوير كبار التنفيذيين.
ما الرسائل التي تودون توجيهها إلى صناع القرار، وقادة الأعمال، والشباب، بشأن الاستثمار في الإنسان بوصفه أساس التنمية الاقتصادية؟
لصناع القرار أقول: كل ريال يُستثمر في بناء الإنسان يعود مضاعفًا في الإنتاجية والابتكار والاستقرار المجتمعي، فاجعلوا مؤشرات رأس المال البشري في صدارة لوحات قياس الأداء الوطنية، وسهّلوا للقطاع الخاص أن يكون شريكًا كاملًا في هذه الصناعة.
ولقادة الأعمال أقول: أثمن أصولكم لا يظهر في قوائمكم المالية — إنه قدرات فرقكم واتجاهاتهم. لا تسألوا: «ماذا لو دربتهم ثم غادروا؟»، بل اسألوا: «ماذا لو لم أدربهم وبقوا؟». والقائد الذي يبني قادة من حوله يبني مؤسسة تكبر بعده، ومن يحتكر القيادة يبني مؤسسة تنتهي عنده.
وللشباب أقول: أنتم تعيشون في وطن يستثمر فيكم كما لم يستثمر أي جيل من قبل، فقابلوا ذلك باستثماركم في أنفسكم. حددوا أهدافكم مكتوبةً، وتعلموا كل يوم ولو صفحة، وأتقنوا أدوات عصركم وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، واعلموا أن الفارق بينكم وبين أحلامكم ليس الظروف بل الاتجاه الذهني والعادات اليومية. فالنجاح ليس حدثًا يقع، بل عادة تُبنى.
ختامًا
وأخيرًا، بعيدًا عن المناصب والمسؤوليات… بعد رحلة جمعت بين العمل الأكاديمي، والتشريعي، والتنفيذي، ما الفكرة التي ترون أنها ستبقى الأكثر تأثيرًا في بناء الإنسان، مهما تغيرت أدوات التعليم والتقنية؟
بعد كل هذه الرحلة، أعود دائمًا إلى فكرة واحدة بسيطة في ظاهرها، عميقة في أثرها: الإنسان يصنعه هدف واضح يؤمن به، وعادات يومية تخدمه. تغيرت أدوات التعليم في حياتي مرات كثيرة – من السبورة إلى الحاسوب إلى المنصات الرقمية واليوم الذكاء الاصطناعي – لكن لم يتغير أبدًا قانون بناء الإنسان: من يعرف إلى أين يتجه، ويلتزم بخطوات صغيرة ثابتة كل يوم، يصل – مهما كانت إمكاناته المتاحة. ومن لا يملك وجهة، لن تنفعه أعظم الأدوات.
ولذلك، فإن أعظم هدية نقدمها لأي إنسان – ابنًا كان أو طالبًا أو موظفًا أو قائدًا – ليست معلومة نلقنه إياها، بل أن نساعده على اكتشاف إمكاناته الكاملة، وأن يؤمن بها، ثم يترجمها إلى أهداف مكتوبة وعادات منضبطة. هذه الفكرة آمنت بها منذ بداية مسيرتي، وجربتها في نفسي قبل الآخرين، ورأيت أثرها في آلاف الأشخاص، وأوقن أنها ستبقى صالحة ما بقي الإنسان – لأن التقنية تغير الأدوات، أما الأهداف والعادات فهي التي تغير الناس.













